19 يونيو, 2026

الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة

إذا كانت الدولة قد اختارت منطق التسوية، فكيف يُفسَّر استمرار الضغط الاجتماعي أو الوصم الجماعي لأفراد لم يخضعوا لأي محاكمة قضائية؟

الاحتكار في المراحل الانتقالية لا يظهر دائماً بصورة سلطوية مباشرة، بل عبر شبكات نفوذ غير مرئية تُفرغ المؤسسات من دورها الوظيفي وتحولها إلى واجهات شكلية.

ليس كل ما يبدو “استقراراً” في الدول الخارجة من الحرب هو استقرار فعلي. أحياناً يكون ما يظهر على السطح مجرد توقفٍ مؤقتٍ للعنف داخل بنية سياسية لم تُحسم بعد: دولة تتشكل، أو سلطة تتصلّب، أو كليهما في مسار واحد يفتقر إلى تعريف نهائي واضح.

في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال التقليدي كافياً: من يحكم؟ بل يتحول إلى مستوى أعمق وأكثر إرباكاً: ما الذي تبقّى من “الدولة” كي يُحكم أصلاً؟ وعند هذه النقطة تبدأ الإشكالية السورية في الظهور بوصفها حالة لا تُقاس بسهولة على نماذج ما بعد الصراع المعروفة، لأنها لا تختبر فقط انتقال السلطة، بل اختبار معنى الدولة نفسه.

في التجارب الانتقالية الكلاسيكية، تُفترض الدولة كإطار قائم يحتاج إلى إعادة تفعيل أو إصلاح مؤسسي. أما في الحالة السورية، فالمسألة تتجاوز ضعف المؤسسات أو تآكلها إلى اهتزاز الفكرة المؤسسة للدولة بوصفها معنى مشتركاً للسلطة والقانون والشرعية. وعندما يتشظى هذا المعنى، يصبح الحديث عن “إعادة البناء” أكثر تعقيداً من كونه مشروعاً تقنياً، لأنه يمس تعريف المجال السياسي نفسه.

في هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية من مجرد جدل الكفاءة أو الولاء، وهو طبيعة العلاقة بين خطاب «بناء المؤسسات الحديثة» وآليات إنتاج النخب التي تتولى إدارة هذه المؤسسات. فحين يُعلَن مشروع دولة حديثة، يُفترض أن يترافق ذلك مع إعادة هيكلة معايير التعيين داخل الجهاز العام على أساس الكفاءة والخبرة وقابلية التراكم المؤسسي. غير أن ما تكشفه بعض أنماط التشكيل الإداري في المراحل الانتقالية هو انزياح تدريجي نحو تغليب معايير الولاء والاصطفاف السياسي أو الأمني على حساب المعايير المهنية التقليدية، بما في ذلك المؤهلات والخبرة الإدارية. وهذا الانزياح لا يبقى محصوراً في مستوى الأفراد، بل ينعكس مباشرة على بنية المؤسسة نفسها، حيث تفقد القدرة على إنتاج ذاكرة إدارية مستقرة، وتتراجع معايير المساءلة لصالح شبكات غير رسمية تتداخل فيها السلطة مع الثقة الشخصية. ومع تراكم هذا النمط في المواقع الحساسة للدولة، من الإدارة المحلية إلى الأجهزة السيادية ومجلس الشعب، وقبل ذلك في آلية تشكيل الحكومة وما يترتب عليها من آثار سلبية لاحقة، يظهر سريعاً ما يشبه «الفراغ المؤسسي المقنّع»، حيث تستمر الهياكل في العمل شكلياً، بينما تتآكل قواعدها الداخلية تدريجياً، بما يفتح المجال أمام مظاهر اختلال وظيفي مبكر، من بينها اتساع هامش الفساد الإداري وضعف الرقابة الفعلية، حتى خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً.

هنا لا يعود منطق السلطة محصوراً في سؤال احتكار القرار داخل مؤسسات قائمة، بل يتسع إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يُمنع تحول الفراغ المؤسسي نفسه إلى آلية دائمة لإعادة إنتاج السلطة خارج أي إطار قانوني مستقر. فالاحتكار في السياقات الانتقالية لا يظهر دائماً عبر شكل سلطوي صلب، بل قد يتجلى عبر بنية غير مرئية من القواعد والعلاقات التي تعيد توزيع النفوذ خارج النصوص الرسمية، وتحوّل المؤسسة إلى واجهة أكثر من كونها جهازاً وظيفياً.

هذا التحول يغيّر طبيعة النقاش حول الاستقرار. فليس كل استقرار نتيجة بناء مؤسسي، بل قد يكون في بعض الحالات تعبيراً عن توازن هش بين مراكز قوة متجاورة، لكل منها منطقه الخاص في إدارة المجال العام. وعندها لا يعود الاستقرار خطوة نحو الدولة، بل شكلاً من تعليقها المؤقت.

في المقابل، لا تختزل الحالة السورية في نموذج واحد أو مسار خطي. لكنها تكثّف داخلها مجموعة من الإشكالات التي تظهر في تجارب أخرى بشكل متفرق: تداخل مستويات السلطة، تعدد مصادر القرار، وتآكل الحدود بين المؤسسي وغير المؤسسي. غير أن خصوصيتها تكمن في أن هذه العناصر لا تقع على هامش الدولة، بل في قلب تعريفها.

الأخطر في مثل هذا السياق أن “الاستقرار” قد يتحول إلى معيار مستقل عن طبيعة الدولة نفسها. فعندما يصبح الاستقرار هدفاً بحد ذاته، يمكن أن يُستخدم لتبرير تقليص المجال العام أو إعادة تشكيل المؤسسات بما يخدم منطق البقاء السياسي، بدل منطق بناء الدولة. وهنا يحدث الانزلاق من الدولة كإطار جامع إلى الدولة كوظيفة إدارة.

النتيجة لا تظهر على شكل انهيار فوري، بل في شكل تآكل بطيء في الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فالدولة التي تُدار بمنطق غير مؤسسي قد تبدو مستقرة أمنياً، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج شرعية مستدامة، لأن الشرعية لا تُبنى على السيطرة، بل على قابلية النظام للمساءلة والتوازن.

الاستنتاج الذي تفرضه هذه القراءة ليس حكم قيمة بقدر ما هو توصيف بنيوي: الدولة في لحظات ما بعد الانهيار لا تُهدد فقط بضعفها، بل بإمكانية أن تتحول إلى مفهوم مفتوح لإعادة التعريف المستمر من قبل مراكز القوة. وكلما اتسع هذا المجال غير المنضبط، أصبح الانتقال إلى دولة مستقرة أقل ارتباطاً بالزمن، وأكثر ارتباطاً بقدرة المجتمع على إعادة إنتاج فكرة مشتركة عن معنى السلطة وحدودها.

أحمد سليمان 

المصدر: نشطاء الرأي 

 https://opl-now.org/

المنشورات

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب