29 يونيو, 2026

سيكولوجيا “الشرطي العالمي”: دونالد ترامب نموذجاً

تبدأ بمجاملة سياسية وبناء تقارب شخصي، ثم تتحول إلى علاقة تبادلية: دعم مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية أو أمنية.

 

لا يمكن قراءة سلوك دونالد ترامب في السياسة الخارجية عبر أدوات الدبلوماسية التقليدية فقط، لأن نمطه يقوم على تحويل العلاقات الدولية إلى عملية تفاوض مستمرة أقرب إلى منطق الصفقات. يبدأ بالإطراء السياسي وبناء علاقة شخصية، ثم ينتقل لاحقًا إلى تحويل هذا التقارب إلى التزام متبادل له ثمن سياسي أو اقتصادي أو أمني.

في هذا الإطار، لا تبدو المجاملة تعبيرًا عن ثقة مستقرة، بل خطوة افتتاحية في مسار تفاوضي طويل يُعاد فيه تعريف العلاقة بوصفها تبادلًا: دعم مقابل مقابل.

●منطق الرواية السياسية بدل التحالفات

في خطاب ترامب، تتكرر فكرة أنه هو من صنع التحولات أو دعم الأطراف أو منح الفرص، بصيغ متعددة تعيد إنتاج المعنى نفسه: أن أي دعم أمريكي ليس تلقائيًا أو مؤسساتيًا، بل مرتبط بشخصه وقراراته المباشرة. بهذا الأسلوب تتحول السياسة الخارجية إلى رواية شخصية يكون فيها الفاعل الفرد هو مركز القرار، وليس الدولة كمؤسسة.

هذا النوع من الخطاب لا يبقى رمزيًا، بل يتحول إلى أداة ضغط، لأن من يتلقى الدعم يُعاد تقديمه لاحقًا بوصفه استفاد من “استثناء” يستوجب المقابل.

●نمط متكرر في العلاقات الدولية

هذا السلوك ظهر في أكثر من ملف دولي خلال سنوات حكمه وما بعدها، إذ تكرر منطق الإشادة السياسية ثم الانتقال إلى طلب المقابل في علاقات متعددة: مع السعودية حيث ارتبط الدعم السياسي بصفقات وتسويات اقتصادية واسعة، ومع أوكرانيا حيث ارتبط الدعم العسكري بالرئيس فولوديمير زيلينسكي بضغط سياسي مباشر، ومع حلف شمال الأطلسي حيث تحولت الحماية الأمنية إلى نقاش حول “تكلفة الدفع”، مع مطالبة الحلفاء بزيادة مساهماتهم المالية مقابل استمرار المظلة الأمريكية.

في كل هذه الحالات كان القاسم المشترك هو تحويل الدعم إلى أصل سياسي مشروط، وليس التزامًا ثابتًا.

● الملف السوري: الدعم المشروط وإعادة التموضع

في الملف السوري، يظهر النمط نفسه ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا. فقد رافقت بعض الإشارات السياسية نحو أطراف جديدة في المشهد السوري، مع حديث عن انفتاح مشروط على ترتيبات سياسية وأمنية مختلفة، وتلميحات غير مباشرة إلى إعادة توزيع النفوذ الإقليمي، خصوصًا في ما يتعلق بملفات أمنية حساسة مرتبطة بشمال شرق سوريا وبالتوازنات الإقليمية الممتدة إلى لبنان.

المنطق هنا لا يقوم على تغيير جذري في السياسة بقدر ما يقوم على إعادة تموضع: أي أن الانفتاح السياسي المحتمل يُطرح دائمًا ضمن سياق “المقابل”، سواء كان ذلك تعاونًا أمنيًا، أو ترتيبات إقليمية، أو إعادة ضبط لأدوار الفاعلين المحليين بما يخدم أولويات واشنطن في تلك المرحلة.

بهذا المعنى يصبح الملف السوري جزءًا من البنية التفاوضية ذاتها: انفتاح سياسي محتمل يقابله انتظار لنتائج ملموسة في ملفات النفوذ والأمن.

● تركيا وأردوغان: مرحلة تقارب تحت الاختبار

في العلاقة الحالية مع تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، يتكرر النمط ذاته: لغة ودية، تخفيف في التوتر، وإشارات إلى إمكانية فتح صفحة جديدة. غير أن هذا النوع من التقارب لا يُقرأ عادة كتحول نهائي، بل كمرحلة تمهيد لإعادة ترتيب ملفات عالقة مثل سوريا، والتوازن مع روسيا، والعلاقة داخل حلف شمال الأطلسي.

وبناء على التجارب السابقة، لا يتعلق السؤال بطبيعة التقارب، بل بما سيأتي بعده: ما المقابل الذي سيُطلب عندما تنتهي مرحلة الإطراء السياسي؟

● منطق التفاوض المستمر

يظهر من هذا النمط أن السياسة الخارجية في مقاربة ترامب لا تُبنى على الثبات المؤسسي أو التحالفات الطويلة، بل على منطق تفاوضي متجدد، حيث يكون الود السياسي مرحلة أولى في صفقة لم تكتمل بعد. وفي هذا السياق تصبح العلاقات الدولية سلسلة من الترتيبات المؤقتة التي يُعاد تسعيرها باستمرار، لا منظومة تحالفات مستقرة.

يبقى السؤال المفتوح أمام كل طرف يدخل في هذا النمط من العلاقات: ليس ما يُقال في البداية، بل ما الذي يُطلب عندما تنتهي مرحلة المجاملة.

أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب