(شباب محبطون، شركات تغادر، وبلد يبحث عن عمال لا يعرف كيف يحتفظ بهم)
كانت الصورة التي حاولت ألمانيا تقديمها خلال السنوات الماضية واضحة: اقتصاد قوي يحتاج إلى مزيد من الأيدي العاملة، ولذلك فتحت أبوابها أمام العمالة الماهرة من الخارج. لكن المفارقة أن البلد الذي يعلن حاجته إلى ملايين العمال يواجه في الوقت نفسه ظواهر لا تقل خطورة؛ فهناك شباب يغادرون، وشركات تنقل جزءاً من استثماراتها إلى الخارج، ومهاجرون يقيمون في ألمانيا لا يجدون دائماً طريقاً سهلاً إلى الاندماج في سوق العمل.
المشكلة ليست في غياب الكفاءات فحسب، بل في قدرة النظام على الاحتفاظ بها والاستفادة منها.
● بلد يبحث عن العمالة بينما يهدر الطاقات الموجودة:
تحتاج ألمانيا بالفعل إلى العمالة الماهرة، وهذه ليست دعاية سياسية، بل حقيقة ترتبط بالتحولات الديموغرافية. فجيل كبير من العاملين يقترب من سن التقاعد، بينما لا تكفي أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل لتعويض النقص.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يجري البحث باستمرار عن عمالة جديدة من الخارج قبل الاستثمار بصورة أفضل في الطاقات الموجودة داخل البلاد؟
توجد في ألمانيا أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين الذين يمكن، عبر برامج تأهيل فعّالة، وتسريع الاعتراف بالمؤهلات، وتعزيز تعليم اللغة، تحويلهم إلى قوة اقتصادية منتجة. كما توجد عائلات وشباب ينتظرون فرصاً أكبر للاستقرار والاندماج.
والمفارقة أن ألمانيا قد تدعو العالم إلى إرسال العمال المهرة، بينما يواجه بعض المقيمين فيها عراقيل إدارية واجتماعية تجعل اندماجهم أبطأ مما ينبغي. وفي بعض الحالات، قد تدفع الخطابات العنصرية أو الضغوط الاجتماعية أشخاصاً مؤهلين إلى التفكير في المغادرة بدلاً من بناء مستقبلهم في البلاد.
فإذا كان العامل القادم من الخارج سيواجه بعد وصوله العوائق نفسها، فمن الذي يضمن بقاءه؟
● البيروقراطية… العقبة التي لا تظهر في الإعلانات:
لا تكفي قوانين الهجرة الجديدة أو الحملات الإعلامية لجذب العمالة الماهرة. فالعامل المتخصص لا يبحث فقط عن راتب جيد، بل عن بيئة عمل فعّالة تحترم وقته وخبرته.
الإجراءات الطويلة في السفارات، وتعقيد الاعتراف بالمؤهلات، وتأخر المواعيد في الدوائر الحكومية، كلها عوامل قد تجعل ألمانيا أقل جاذبية مقارنة بدول منافسة.
المشكلة ليست في وجود القوانين، بل في آليات تنفيذها. فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى السرعة والمرونة، بينما لا تزال بعض جوانب الإدارة الألمانية تعمل بإيقاع بطيء لا ينسجم مع المنافسة العالمية.
● الهجرة المعاكسة… إشارة لا ينبغي تجاهلها:
خلال السنوات الأخيرة، برز نقاش متزايد حول مغادرة بعض الأشخاص ألمانيا، ولا سيما من الشباب والمهنيين، بحثاً عن فرص أفضل أو ظروف حياة أكثر ملاءمة.
ولا يعني ذلك أن ألمانيا فقدت جاذبيتها؛ فهي ما تزال واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية ووجهة مهمة للعمالة الماهرة. لكن هذه الظاهرة تكشف أن جذب الوافدين وحده لا يكفي، فالدولة التي تريد استقطاب الكفاءات مطالبة أيضاً بالحفاظ على من يعيشون فيها.
فإذا ارتفع عدد المغادرين من أصحاب الخبرة، فإن استقدام عمال جدد لن يكون حلاً جذرياً للمشكلة.
● لمّ الشمل… قضية اقتصادية وإنسانية في آن واحد:
من الملفات التي تستحق المراجعة أيضاً ملف لمّ الشمل. فبين المنتظرين أطفال وشباب في سن التعليم والتدريب والعمل.
إن تسهيل اندماج هذه الفئة لا يمثل عبئاً على الدولة فحسب، بل يمكن أن يكون استثماراً طويل الأمد. فالشاب الذي يلتحق بعائلته ويبدأ مساراً تعليمياً أو مهنياً يصبح جزءاً من المجتمع والاقتصاد، بدلاً من أن يبقى سنوات في حالة انتظار.
فالاندماج المبكر أقل تكلفة من معالجة آثار التأخير والعزلة الاجتماعية.
● أزمة الشركات… ليست العمالة وحدها المشكلة:
عندما تغادر بعض الشركات ألمانيا أو تقلص استثماراتها، فإن السبب لا يرتبط فقط بنقص العمالة. فهناك عوامل أخرى، منها ارتفاع تكاليف الطاقة، والضرائب، والمنافسة الدولية، والحاجة إلى مزيد من الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، إضافة إلى تعقيد الإجراءات الإدارية.
أما الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني، فهي تحتاج إلى بيئة أكثر مرونة وقدرة على المنافسة.
● ماذا تحتاج ألمانيا؟
لا تحتاج ألمانيا إلى حملة جديدة لجذب العمالة فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى ترميم الثقة بالحكومات المتعاقبة، ولا سيما بعد تداعيات جائحة كوفيد-19، وما رافقها من نقاشات حادة حول إدارة الأزمة وثقة المواطنين بالقرارات السياسية.
كما تحتاج إلى تعزيز الثقة بمؤسسات الدولة من خلال سياسات أكثر كفاءة وشفافية، وذلك عبر:
1.تسريع الرقمنة وتقليل البيروقراطية في مختلف مراحل التعامل مع مؤسسات الدولة.
2.جعل إجراءات التأشيرات والاعتراف بالمؤهلات أكثر سرعة ووضوحاً.
3.الاستثمار في تدريب الشباب وتأهيلهم للمهن المستقبلية.
4.تسهيل اندماج اللاجئين والمهاجرين المقيمين بالفعل في ألمانيا.
5.مراجعة سياسات لمّ الشمل باعتبارها جزءاً من سياسة الاندماج والاستثمار في رأس المال البشري.
6.تخفيف الأعباء عن الشركات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الابتكار.
7.تحسين ظروف العمل حتى لا تصبح ألمانيا مجرد محطة مؤقتة للكفاءات.
● بين القوة الاقتصادية وخطر التراجع:
ألمانيا ليست دولة منهارة، لكنها تواجه مرحلة اختبار حقيقية. فالنموذج الذي اعتمد لعقود على الصناعة القوية، والطاقة الرخيصة، والأسواق العالمية المستقرة، لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها.
والخطر الحقيقي لا يتمثل في فقدان ألمانيا مكانتها بين ليلة وضحاها، بل في أن يؤدي تجاهل المشكلات المتراكمة إلى تراجع تدريجي في قدرتها التنافسية.
فالدول لا تخسر مستقبلها بسبب نقص الموارد فقط، بل عندما تعجز عن إدارة مواردها البشرية بكفاءة. وألمانيا اليوم أمام سؤال جوهري: هل تريد فقط استقدام عمال جدد، أم تريد بناء بيئة تجعل الناس، مواطنين ومهاجرين، يرغبون في البقاء والإسهام في مستقبلها؟
فألمانيا لا تحتاج إلى أبواب مفتوحة فقط، بل إلى بيت قادر على الاحتفاظ بمن يدخل إليه.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
فوضى السجلات السكانية في سوريا: ضرورة تفكيك القراءات المضلِّلة للتوزّع الديمغرافي
من يحمي الأفراد من السلاح المتفلت؟
حشمة العقول أولًا: قبل مراقبة مظاهر المجتمع… تحتاج الدولة إلى إصلاح مؤسساتها