7 أغسطس, 2026

محمد الماغوط: بعد عشرين عامًا سأرميك بقصائد عتب

 

مررتُ بقرب كتبك، ثم توقفتُ عند آخر جملة ساخرة كتبتَها قبل عشرين عامًا. وغبتَ يا رجل بصمت، وعلى عكس قصائدك. ومع ذلك، ما زلت أراك كأنك كنت هنا البارحة؛ واقفًا في زاويتك، توبّخ الساسة والمنافقين وأقسام الشرطة، وتضحك من هذا العالم الذي كان يصرّ على أن يكون أكثر عبثًا من قصائدك.

أينك يا رجل لتقرأ الصبية وأدباء الأنابيب وهم يكيلون المديح لبعضهم، وهم أقل من ربع كاتب على حيطان مدرسة أطفال؟ أينك لترى كيف صار الأدب حفلة علاقات عامة، وكيف تُوزّع الألقاب والشهادات على من لم يتعلم بعد أن الكتابة ليست صورة جماعية، ولا بطاقة دعوة إلى مهرجان، ولا عضوية في نادٍ مغلق.

كنتَ تعرف أن الكاتب لا يحتاج إلى منصة كي يكون حاضرًا، ولا إلى جمهور مصفّق كي يصبح مهمًا. كنت تكتب من الهامش، لكنك تصل إلى قلب المدينة. وتضحك من السلطة، ثم تضحك من المعارضة، وتسخر من المثقف حين يتحول إلى موظف لدى المؤسسة، ومن المؤسسة حين تتعامل مع الأدب كما تتعامل مع الملفات والأختام.

ولعل أكثر ما ينقصنا اليوم ليس الشعر، بل تلك الجرأة التي كانت تجعل الكاتب يقف وحيدًا في وجه القطيع، دون أن يسأل أولًا: من سيصفق لي؟

مرّت عشرون سنة، يا محمد، وما زلت أكثر حضورًا من كثيرين يتحدثون باسم الثقافة. لم تكن تحتاج إلى لجنة تمنحك شرعية، ولا إلى جماعة تحرس اسمك، ولا إلى أدباء تحوّلوا مع الزمن إلى رؤساء تحرير في صحف واتحادات ومؤسسات ثقافية، ثم اكتشفنا في كل مرة أن بعضهم كان أسرع إلى إرضاء السلطة والمشهد السائد من انحيازه إلى الحقيقة والكتابة.

كنت تعرف أن الكاتب يفقد صوته حين يصبح موظفًا تابعا للتصفيق، وأن القصيدة التي تبحث عن رضا الجميع تنتهي غالبًا بلا أثر. لذلك بقيتَ أنت، رغم الغياب، حاضرًا أكثر من أولئك الذين امتلكوا المنابر وفقدوا الجرأة.

يا هذا، يا أنت الذي تبرعتَ باسمك ضد اسمك، ومشيتَ عكس الطريق حتى بقيتَ محمد الماغوط.

سأرميك بقصائد عتب أخرى، لأن غيابك، بعد عشرين عامًا، ما زال أكثر بلاغة من حضور كثيرين.

أحمد سليمان

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب