21 أغسطس, 2026

الغوطة: منظومة الأسد بين الإخضاع والسارين والإفلات من العقاب

في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد وهرب الرجل الذي حكم سوريا لأكثر من عقدين البلاد إلى موسكو، منهياً حكماً عائلياً امتد لعقود. وبذلك تغيرت المعادلة السياسية التي كانت تحيط بملف الجرائم المرتكبة خلال سنوات الحرب. لم يعد السؤال كيف يمكن مواجهة نظام قائم يملك مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن والجيش، بل كيف يمكن لدولة سورية جديدة أن تتعامل مع إرث منظومة تركت وراءها آلاف الملفات المتعلقة بالقتل والتعذيب والاختفاء القسري والأسلحة الكيميائية.

وهنا تستعيد الغوطة أهميتها من جديد.

فالجريمة التي وقعت عام 2013 لم تعد قضية مواجهة بين معارضة ونظام قائم، ولا مجرد فصل من فصول الحرب. إنها اليوم ملف عدالة مفتوح في مواجهة منظومة سياسية وعسكرية سقط رأسها، لكن آثارها وضحاياها وأدلتها ما زالت موجودة.

وهذا التحول التاريخي يفرض إعادة طرح السؤال الذي ظل مؤجلاً طوال سنوات: من أعطى الأوامر؟ من خطط؟ من نفذ؟ ومن شارك في سلسلة القيادة التي أوصلت السارين إلى أحياء مدنية مكتظة بالسكان؟

سقوط بشار الأسد لا يسقط المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي ارتكبت في عهده، كما أن وجوده في موسكو لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية سياسية لملف المحاسبة. فاللجوء السياسي أو الإقامة خارج سوريا لا يمحوان الأدلة، ولا يلغي حق الضحايا في العدالة.

والأهم أن سوريا بعد الأسد ليست مطالبة بإعادة إنتاج منطق المنتصر والمهزوم. إذا كانت الثورة السورية قد قامت في جوهرها على رفض الاستبداد وطلب الحرية والكرامة، فإن الدولة التي يفترض أن تنشأ بعدها يجب أن تكون مختلفة جذرياً عن الدولة التي ثار عليها السوريون: دولة لا تحمي الجاني بسبب موقعه، ولا تعاقب شخصاً بسبب انتمائه، ولا تحول العدالة إلى انتقام.

● من “الثورة” إلى “الدولة”: الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

كان من السهل خلال سنوات الحرب أن تُستخدم الفوضى لتبرير كل شيء: النظام كان يتحدث عن “مؤامرة”، وبعض داعمي المعارضة كانوا يتحدثون بلغة الانتصار العسكري، فيما دفع المدنيون الثمن بين الطرفين.

لكن سقوط الأسد يزيل إحدى أهم الذرائع التي كانت تستخدم لتأجيل النقاش حول العدالة.

لم يعد ممكناً القول إن فتح ملفات الجرائم سيهدد “استقرار النظام”؛ فالنظام نفسه سقط.

ولم يعد من المقبول أيضاً أن تتحول جرائم المعارضة، حين تثبت، إلى سبب لإغلاق ملفات جرائم النظام السابق. العدالة لا تعمل بهذه الطريقة. كل جريمة لها ضحيتها ومسؤولها وأدلتها، وكل متهم يجب أن يخضع لمعيار قضائي واحد.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز استخدام الجرائم التي ارتكبتها بعض الفصائل المسلحة لتشويه أصل الثورة السورية أو نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن مطالب السوريين الذين خرجوا في بدايات 2011 طلباً للحرية والكرامة.

الثورة ليست معصومة من الأخطاء، كما أن فصائل المعارضة ليست كتلة واحدة. لكن أخطاء بعض الفصائل لا تجعل الاستبداد مشروعاً، كما أن دعم دول خارجية لبعض قوى المعارضة لا يلغي الأسباب السورية الداخلية التي فجرت الاحتجاجات.

● الغوطة: من جريمة نظام إلى امتحان للدولة الجديدة

ربما تكون هذه هي اللحظة التي يمكن فيها لسوريا أن تكسر الحلقة التي حكمتها طويلاً.

الدولة الجديدة لا إلى محاكمات انتقامية، ولا إلى روايات انتصار تستبدل رواية النظام برواية أخرى.

تحتاج إلى ملفات قضائية.

تحتاج إلى أدلة.

تحتاج إلى محاكم مستقلة.

وتحتاج قبل كل شيء إلى فصل واضح بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي.

من أمر باستخدام السارين يجب أن يُحاسب وفق الأدلة. ومن نفذ الأمر يجب أن يُحاسب. ومن شارك في التخطيط أو التغطية أو إخفاء الأدلة يجب أن يخضع للتحقيق. وفي المقابل، لا يجوز تحويل المسؤولية إلى عقاب جماعي يطال عائلات أو طوائف أو مناطق بأكملها.

هنا تحديداً يمكن لسوريا الجديدة أن تثبت أن سقوط الأسد لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص الذين يجلسون في السلطة، بل بداية لتغيير مفهوم الدولة نفسه.

● الغوطة لم تعد سؤالاً عن الأسد فقط

في الماضي كان السؤال: هل يستطيع المجتمع الدولي إجبار نظام الأسد على المحاسبة؟

أما اليوم، وبعد سقوطه، فقد أصبح السؤال أكثر عمقاً: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تبني نظام عدالة لا يحتاج إلى حماية سياسية من أحد؟

هذه هي اللحظة التي يجب أن تنتقل فيها قضية الغوطة من الذاكرة إلى القانون.

فصور الأطفال الذين ماتوا بالسارين لا تحتاج إلى خطاب سياسي جديد بقدر ما تحتاج إلى ملف قضائي مكتمل. وشهادات الناجين لا ينبغي أن تبقى مجرد مادة في أرشيف المنظمات الحقوقية، بل يجب أن تصبح جزءاً من مسار عدالة قادر على تحديد المسؤوليات.

سقوط الأسد أغلق صفحة سياسية، لكنه لم يغلق ملفات الجرائم.

والفرق بين سوريا التي خرجت من حكم الأسد وسوريا التي ثار السوريون من أجلها لن يُقاس فقط بمن يحكم دمشق، بل بكيفية تعامل الدولة الجديدة مع من قتلوا، وعُذبوا، وهُجروا، واختفوا، واستُهدفوا بالأسلحة المحظورة.

● الغوطة: حين سقط النظام وبقيت الجريمة تبحث عن العدالة

الغوطة ليست قصة انتقام من بشار الأسد، وليست مناسبة لإعادة إنتاج الكراهية.

إنها قضية عدالة.

لقد سقط النظام الذي ارتبطت به الجريمة، وغادر رأسه إلى موسكو، لكن الضحايا لم يغادروا ذاكرتهم، والأدلة لم تختفِ، والجريمة لم تتحول إلى واقعة سياسية منتهية الصلاحية.

وهنا تكمن المسؤولية التاريخية لسوريا الجديدة: أن تثبت أن سقوط الاستبداد لا يعني انتقال السلطة من يد إلى يد فحسب، وإنما انتقال البلاد من منطق القوة إلى منطق القانون.

فإذا كان السارين قد قتل أطفال الغوطة في 2013، فإن العدالة وحدها تستطيع أن تمنع أن يتحول موتهم إلى مجرد فصل قديم في كتاب الحرب.

الغوطة انتهت كمعركة عسكرية منذ سنوات، لكنها لم تنتهِ كقضية عدالة.

أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب