كل شيء في أوروبا تقريبًا يوحي بأن الحرب تقترب، باستثناء الحرب نفسها.
روسيا توسّع ما تصفه ألمانيا وحلفاؤها بالحرب الهجينة: تجسس، تخريب، هجمات سيبرانية، تضليل، ومحاولات لاستهداف بنى تحتية ومصالح أوروبية. وبرلين ترفع مستوى الجاهزية، وتعيد بناء قدراتها العسكرية، وتتحدث بصورة أكثر صراحة عن ضرورة الاستعداد للحرب. وفي المقابل، يواصل حلف شمال الأطلسي تعزيز قدراته الدفاعية. ومع ذلك، يقول الأمين العام للناتو مارك روته إن الحلف لا يرى هجومًا عسكريًا روسيًا وشيكًا على أراضيه، مع تأكيده أن على الدول الأعضاء الاستعداد لاستمرار حملة الأعمال العدائية الروسية.
هذه المفارقة تستحق التوقف عندها: إذا كان الصراع يتسع فعلًا، فلماذا لا يتحول إلى حرب مباشرة؟
ربما لأن الطرفين لا يملكان رفاهية الذهاب إليها. فروسيا تعرف أن أي مواجهة مباشرة مع ألمانيا لن تبقى مواجهة روسية ـ ألمانية، بل يمكن أن تتحول سريعًا إلى مواجهة مع حلف يمتلك قدرات عسكرية ونووية هائلة. وألمانيا تعرف، في المقابل، أن الحرب المباشرة مع روسيا ليست قرارًا يمكن عزله عن أمن أوروبا ومستقبلها الاقتصادي والاجتماعي.
لذلك قد يكون رفع الجاهزية العسكرية جزءًا من محاولة منع الحرب، لا دليلًا على أن أحدًا قرر خوضها.
لكن إذا كان الأمر كذلك، فهل نحن أمام شكل جديد من الحرب الباردة؟
- الحرب التي لا تحتاج إلى إعلان:
الحرب الهجينة لا تحتاج إلى دبابة تعبر الحدود كي تبدأ. يكفي أن تتحول البنية التحتية، والشبكات الرقمية، والطاقة، والمعلومات، والاتصالات، وحتى التماسك السياسي والاجتماعي، إلى ساحات ضغط ومواجهة.
الحكومة الألمانية تقول إنها تواجه بصورة يومية أعمالًا من هذا النوع، بينها التخريب والتجسس والتضليل والهجمات السيبرانية، وترى أن الهدف يمكن أن يكون إضعاف التماسك الداخلي وتقويض الديمقراطية والأمن الألماني.
وهذا يعني أن الصراع الروسي ـ الأوروبي لا يمكن فهمه فقط من خلال السؤال التقليدي: هل ستطلق موسكو النار على برلين أو إحدى عواصم الناتو؟
جزء كبير من الصراع يجري أصلًا في المنطقة الواقعة بين السلم والحرب؛ حيث يمكن لكل طرف أن يضغط على الآخر، وأن يختبر قدراته، وأن يرفع كلفة المواجهة، من دون أن يقدم على الخطوة التي تجعل الحرب المباشرة أمرًا واقعًا.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما تختلط دلالاتهما في الخطاب السياسي: الاستعداد للحرب والرغبة في الحرب.
عندما تعيد ألمانيا بناء قدراتها الدفاعية، وتطالب برفع الجاهزية، وتستثمر في الجيش والبنية الأمنية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن برلين تبحث عن مواجهة عسكرية مع روسيا. قد يكون العكس أقرب إلى منطق الردع: أن تجعل تكلفة أي هجوم محتمل مرتفعة إلى درجة تدفع الطرف الآخر إلى التفكير طويلًا قبل الإقدام عليه.
وهذا هو جوهر الردع أصلًا: لكي تمنع الحرب، عليك أحيانًا أن تظهر أنك مستعد لها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الردع إلى سباق مفتوح في الاستعداد والتهديد والرد المضاد. عندها يصبح كل إجراء دفاعي قابلًا لأن يُقرأ من الطرف الآخر باعتباره خطوة هجومية، ويصبح كل تصعيد مبررًا بتصعيد سابق.
وهنا يمكن أن يستمر الصراع طويلًا من دون أن يتحول إلى حرب شاملة، لكنه في الوقت نفسه لا يعود سلامًا بالمعنى التقليدي.
- كلما اقتربت الحرب ابتعدت الحرب:
هذه هي المفارقة التي تبدو حاضرة في العلاقة الحالية بين روسيا وأوروبا.
الناتو يعزز قواته وقدراته الدفاعية، وألمانيا ترفع جاهزيتها، فيما تستمر روسيا في استخدام أدوات ضغط تقع في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلم. ومع ذلك، فإن التقدير المعلن للناتو لا يشير إلى هجوم عسكري روسي وشيك على أراضيه. روته قال بوضوح إن الحلف لا يرى مثل هذا الهجوم في الوقت الراهن، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الاستعداد لاستمرار الأعمال العدائية الهجينة.
وهذه ليست مفارقة عابرة، بل جوهر منطق الردع.
فروسيا تستطيع الضغط على أوروبا دون أن تدخل حربًا معها، وأوروبا تستطيع دعم أوكرانيا وتقوية دفاعاتها دون أن تعلن حربًا على روسيا. وبين الطرفين مساحة واسعة يمكن أن تتسع للتجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والعقوبات والضغط الاقتصادي وحرب المعلومات.
لكن هذه المساحة ليست آمنة تمامًا. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قرار متعمد بإشعال حرب، وإنما أيضًا في سوء تقدير، أو حادث أمني، أو عملية تتجاوز أهدافها، أو رد فعل يفرض على الطرف الآخر ردًا أقوى.
ولهذا يصبح الحفاظ على الصراع تحت سقف الحرب المباشرة مصلحة مشتركة، حتى بالنسبة إلى طرفين يتواجهان سياسيًا وأمنيًا بصورة متزايدة.
- إذا انتهت حرب أوكرانيا، فماذا يبقى؟
هنا يظهر السؤال الأكثر أهمية.
الولايات المتحدة تواصل الدفع باتجاه مسار تفاوضي يمكن أن يفضي، إذا نجح، إلى وقف الحرب في أوكرانيا، فيما تستمر الاتصالات الأمريكية ـ الروسية حول ترتيبات ما بعد الحرب، بما فيها قضايا اقتصادية وطاقة.
لكن ماذا يحدث إذا توقفت الحرب في أوكرانيا ولم تتوقف المواجهة الروسية ـ الأوروبية؟
السؤال مهم لأن اختزال الخلاف الروسي مع أوروبا في أوكرانيا وحدها قد يكون تبسيطًا للمشهد.
أوكرانيا هي مركز الصدام العسكري الحالي، لكنها ليست القضية الوحيدة في العلاقة بين موسكو والعواصم الأوروبية. هناك خلافات أوسع حول النظام الأمني الأوروبي، ودور حلف الناتو، والعقوبات، ومكانة روسيا في الترتيبات الأمنية للقارة، وحدود النفوذ الروسي في محيطه الأوروبي.
ومن وجهة النظر الروسية، فإن أوروبا لم تعد مجرد طرف خارجي في الحرب؛ موسكو تتهم الاتحاد الأوروبي بتقديم دعم عسكري واستخباراتي لأوكرانيا، وتربط إجراءاتها ضد شركات أوروبية بالعقوبات والدعم الأوروبي لكييف. وفي سبتمبر، صعّدت موسكو إجراءاتها ضد أصول شركات أوروبية في روسيا، ووصفتها بأنها رد على ما تعتبره تورطًا أوروبيًا في الحرب.
لكن حتى لو انتهت الحرب، فإن بعض هذه الملفات لن تختفي تلقائيًا.
ماذا سيحدث للعقوبات؟
وماذا سيحدث للأصول الروسية المجمدة؟
وماذا سيكون موقع أوكرانيا الأمني؟
وهل ستبقى روسيا خارج البنية الأمنية الأوروبية أم ستعود، بطريقة ما، إلى طاولة الترتيبات الأمنية؟
وهل ستقبل موسكو باستمرار توسع المنظومة الأطلسية في جوارها، أم أن الحرب نفسها كانت جزءًا من محاولة أوسع لإعادة التفاوض على قواعد الأمن في أوروبا؟
هنا تحديدًا تصبح أوكرانيا أكثر من مجرد حرب.
قد تكون الساحة الأوضح لصراع أوسع على شكل النظام الأمني الأوروبي.
وهذا لا يعني أن موسكو تملك بالضرورة خطة واحدة متماسكة لكل ما بعد الحرب، ولا يعني أن كل تحرك روسي في أوروبا يمكن اختزاله في مشروع واحد. لكنه يعني أن توقف القتال في أوكرانيا لا يضمن، بحد ذاته، عودة العلاقة الروسية ـ الأوروبية إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
- هل عادت الحرب الباردة؟
المقارنة مع الحرب الباردة مغرية، لكنها تحتاج إلى قدر من الحذر.
العالم اليوم ليس عالم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. لا توجد كتلتان مغلقتان بالمعنى نفسه، ولا ينقسم العالم سياسيًا واقتصاديًا إلى معسكرين واضحين كما كان في القرن العشرين. كما أن الصين، والاقتصاد العالمي المترابط، والتكنولوجيا الرقمية، والطبيعة المختلفة للصراعات الحديثة، تجعل أي مقارنة حرفية مضللة.
لكن التشابه لا يحتاج إلى تطابق.
الحرب الباردة كانت في جوهرها صراعًا طويلًا بين قوتين عظميين، مع سباق تسلح، وتجسس، وضغوط اقتصادية وسياسية، وحروب بالوكالة، وأزمات متكررة، وفي الوقت نفسه حرص مستمر على ألا تتحول المواجهة بين القوتين النوويتين إلى حرب مباشرة.
وفي السنوات الأخيرة من الحرب الباردة، لم يكن التحول نتيجة معركة عسكرية حاسمة بين واشنطن وموسكو. بل جاءت مرحلة مختلفة مع صعود ميخائيل غورباتشوف، وسياسات البيريسترويكا والغلاسنوست، والتغييرات في أوروبا الشرقية، ثم التراجع التدريجي للسيطرة السوفيتية وانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وتظهر الوثائق التاريخية الأمريكية أن الإصلاحات الداخلية لغورباتشوف تعثرت، بينما تآكلت قاعدته السياسية، وتزايدت الضغوط التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي.
لكن الدرس هنا ليس أن روسيا الحالية ستكرر مصير الاتحاد السوفيتي.
ذلك استنتاج لا تسمح به الوقائع.
الدرس الأهم هو أن المواجهات الطويلة بين القوى الكبرى لا تنتهي بالضرورة بحرب كبرى. يمكن أن تنتهي بتغيير سياسي، أو اقتصادي، أو داخلي، أو بتسوية تعيد تعريف العلاقة بين الأطراف.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مثيرة للاهتمام.
قد لا تكون أوروبا وروسيا على طريق حرب روسية ـ ألمانية شاملة، بل على طريق صراع طويل تحت عتبة الحرب، يشبه في بعض جوانبه منطق الحرب الباردة: ردع في مواجهة ردع، ضغط في مواجهة ضغط، واستعداد عسكري متزايد، مع محاولة إبقاء الباب مفتوحًا أمام منع الانفجار.
- المواجهة التي قد تكون أطول من الحرب:
المشكلة في الحروب التقليدية أنها تبدأ في لحظة يمكن تحديدها، وتنتهي عادة باتفاق أو انتصار أو هزيمة.
أما الصراع الذي يجري تحت سقف الحرب فقد لا يمتلك بداية واضحة ولا نهاية واضحة.
يمكن أن تتوقف الحرب في أوكرانيا، ثم تبدأ مفاوضات حول العقوبات. وقد تُرفع بعض العقوبات، بينما تبقى أخرى. وقد تعود بعض العلاقات الاقتصادية، فيما يستمر سباق التسلح. وقد تنخفض الهجمات الهجينة لفترة، ثم تعود مع أزمة سياسية جديدة. وقد تستمر أوروبا في اعتبار روسيا تهديدًا أمنيًا، فيما تستمر موسكو في اعتبار التوسع الأطلسي تهديدًا لأمنها.
وهكذا لا تختفي المواجهة، وإنما تتغير أدواتها.
لذلك ربما يكون السؤال الأكثر واقعية اليوم ليس: هل ستندلع حرب بين روسيا وأوروبا؟
بل سؤال آخر أكثر صعوبة: ماذا لو كان الطرفان قد دخلا بالفعل في حرب باردة جديدة، لكنهما لا يزالان يصران على تسميتها شيئًا آخر؟
فإذا كانت الحرب في أوكرانيا قابلة للتوقف، بينما تبقى الخلافات حول الأمن الأوروبي والنفوذ والعقوبات وموقع روسيا في القارة، فإن نهاية الحرب قد لا تكون نهاية الصراع.
فهل ستكون أوكرانيا نهاية المواجهة الروسية ـ الأوروبية، أم مجرد نهاية فصلها العسكري وبداية فصل أطول لم يُكتب بعد؟
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
من يملك صكوك الثورة وشهادات الوطنية؟
من يخلق المعلومات؟ ومن يصنع «المصادر»؟ لا إدانة بتسجيل، ولا تبرئة برواية… فمن يملك الحقيقة؟
اعتذار كنعان يهدّئ الغضب.. فمن يحاسب الناطور؟