17 أكتوبر, 2026

من لا يملك مواقف وطنية ثابتة ولا يجرؤ على الظهور باسمه الصريح، لا يحق له توزيع الاتهامات على الآخرين!

استفقت اليوم على كمّ هائل من الرسائل المرفقة بصور لتعليقات صبيانية تتضمن اتهامات لا تستند إلى نقاش جاد أو حجج موثّقة. ومن خلال مراجعة بعض الحسابات، تبيّن لي أن أصحابها، بحسب ما يكشفه نشاطهم، ليسوا سوى خليط من نفايا العصبيات التشبيحية المتشابكة، القديمة والحديثة، التي أفرزتها لحظات مفصلية من تاريخ بلادنا. إنهم يروّجون للأوهام، ويمارسون التضليل، ويساهمون في تبييض صفحات سوداء من التاريخ، في محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتلميع قوى وشخصيات يبدو أنها تجمع بين الفكر الرجعي الظلامي وبعض ممّن كنّا نسمّيهم حراس النظام الأسدي في المناطق التي كانوا يحتلونها.

إن ما يجري ليس مجرّد اختلاف في الرأي، بل حملة تشويه تقوم على الاتهامات الشخصية والتضليل المتعمّد، في محاولة لإسكات الأصوات المخالفة والهروب من مواجهة الحقائق. ومن هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا ومباشرة: من يقف وراء هذه الحملات؟ من يموّلها ويدعمها؟ ومن المستفيد من إعادة تدوير العصبيات التشبيحية وتبييض إرث الاستبداد تحت شعارات وواجهات جديدة؟

لن تحوّلوا الأكاذيب إلى حقائق بتكرارها، ولن تتمكنوا من طمس التاريخ أو إسكات الأصوات التي ترفض تبييضه. فالاختلاف السياسي لا يمنح أحدًا حصانة من النقد، ولا يحوّل حملات التشويه إلى حجج، مهما ارتفعت أصواتكم وتكاثرت حساباتكم.

يبدو أنني مضطر إلى التذكير دائمًا بأنني شخصية مستقلة، أكتب قناعاتي ولا أستعير مواقفي من أحد. وما أمثّله هو وعيي وقيمي المستندة إلى فكر تحرري ينتصر لأحلام شعبنا وثورته، ولا يمنح أي سلطة أو تيار أو شخصية حصانة من النقد والمساءلة.

وليس خافيًا على أحد أن موقفي من الإرهاب الأسدي والعصبيات الموازية، أيًّا كان مصدرها، يعود إلى ما قبل الثورة بأكثر من عقد ونصف. وعندما انتفض شعبنا، في انتفاضته التي تحوّلت إلى ثورة عظيمة، كنت، كما الملايين من السوريين، داعمًا لها ومتمسكًا بأهدافها في الحرية والكرامة والعدالة.

وبيني وبين السلفيات السياسية الحمقاء والمدمّرة تاريخ موثّق بما نشرته، قديمًا وحديثًا، من مقالات في عدد من المنصات، وكذلك في موقع «نشطاء الرأي». وهذه المقالات متاحة بكثرة لمن يريد مراجعتها والاطلاع على مواقفي الفعلية، بدلًا من اختراع مواقف لي أو إقحامي في توصيفات لا أمثّلها، بل حاربتها وحذّرت من مخاطرها باستمرار.

لم أختبئ يومًا خلف أسماء وهمية، ولم أحتج إلى أقنعة للتعبير عن آرائي أو التهرّب من مسؤولية ما أكتب. أتحمّل مسؤولية مواقفي باسمي الصريح، وأحتكم إلى ما نشرته من أفكار ومواقف، لا إلى ما يريد الآخرون إلصاقه بي.

فالأرشيف المنشور متاح، والوقائع قابلة للتحقق، والنقاش الجاد يبدأ من الأدلة لا من الافتراضات. ومن يملك حجة فليطرحها علنًا، وليتحمّل مسؤولية ما يقول. أما تشويه المواقف فلا يحوّل الادعاءات إلى حقائق، مهما تكررت.

  • لنراجع التاريخ قبل توزيع الاتهامات:

إذا أردنا نقاشًا سياسيًا جادًا، فلنعد إلى البدايات، ولنراجع تاريخ كل من يتصدّر المشهد اليوم، وما حمله من مواقف، وما طرأ عليها من تحولات وتناقضات. ولنسأل عن أولئك الذين انتقلوا من خطاب إلى نقيضه، ومن موقع إلى آخر، وعن الذين يسارعون إلى التقرّب من أصحاب النفوذ والزحف نحو المناصب في حكومة تحتاج إلى تنظيف مؤسساتها من الفساد والمحسوبية، لا إلى إعادة تدويرهما بوجوه جديدة.

لا أطالب أحدًا بأن يتبنّى مواقفي، لكنني أرفض أن يتحول الاختلاف إلى محاكمة للنوايا، أو أن يصبح إطلاق الاتهامات وسيلة لإسكات الأصوات المستقلة. ومن يريد مناقشتي، فليواجه ما أكتبه بالحجة والدليل، وليقدّم ما لديه من وقائع، بدلًا من الاختباء خلف حسابات مجهولة وتوصيفات جاهزة.

  • منظومة الأمس بأدوات اليوم:

لا يختلف اثنان على أن العبء الثقيل الذي خلّفته المنظومة الإجرامية وسلالتها التي أسّست لها عائلة الأسد والمنتفعون منها لم يقتصر على القمع والزنازين، بل امتد إلى إفساد الحياة العامة، وإضعاف المجتمع، وتكريس السفالة والانحطاط السياسي، وتحويل الولاءات الضيقة إلى أدوات للسيطرة والابتزاز والإقصاء.

لم تكن تلك ممارسات عابرة، بل منظومة متكاملة عملت على إفساد السياسة وتشويه الوعي وتدمير الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ولذلك، فإن التخلص من آثارها ليس مسألة انتقام أو تصفية حسابات، بل ضرورة وطنية وأخلاقية لبناء دولة تقوم على القانون والمواطنة والمساءلة.

لكن ما نشهده اليوم يؤكد أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير النهج، وأن سقوط منظومة الاستبداد لا يكفي وحده لضمان بناء دولة مختلفة. فهناك سلوكيات تتكرر بأساليب جديدة ووجوه مختلفة في شكلها، لكنها تنتمي إلى البيئة السياسية الارتزاقية ذاتها، التي اعتاشت على النفوذ وتبديل الولاءات واستثمار معاناة السوريين لتحقيق مصالحها الخاصة.

  • معركتنا ليست مع الفساد وحده:

كما سبق أن أشرت في أكثر من مقال، فإن معركتنا الحقيقية اليوم ليست مع الفساد فحسب، بل مع تحالف تلك القوى المتأخرة مع شخصيات تنشر الفكر العدمي الأسود، الذي لا يختلف في نتائجه الاستبدادية عن سلوك الأسد، حين يتحول إلى وسيلة لإقصاء المجتمع وتقييد الحريات وتبرير الهيمنة.

إن الخطر يكمن في تسميم المجال العام، وإفراغ السياسة من مضمونها الوطني والأخلاقي، وتحويل الدولة من مؤسسة يُفترض أن تخدم المجتمع إلى مساحة للنفوذ والمصالح الضيقة. والأخطر أن شخصيات تحمل هذه التوجهات باتت، وفق ما تشير إليه مواقف وممارسات تستحق التدقيق والمساءلة، موجودة داخل مؤسسات السلطة وتساهم في التأثير في سياساتها.

وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بفساد موظف أو خطأ مسؤول فحسب، بل بطبيعة المسار الذي تسلكه البلاد، وبمدى استعداد مؤسسات السلطة لمواجهة هذه الممارسات، بدلًا من التساهل معها أو منح أصحابها مواقع إضافية من النفوذ.

لسنا معنيين بتبديل أسماء بأسماء، ولا بتبرير ممارسات اليوم باعتبارها مجرد إرث من الأمس. كما أننا لا نقبل أن يتحول تاريخ الثورة وتضحيات السوريين إلى غطاء جديد لإعادة إنتاج منظومة الاستبداد بأدوات مختلفة.

فالثورة التي خرج من أجلها السوريون لم تكن معركة على المناصب، ولا مشروعًا لتوزيع الغنائم، بل كانت معركة من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وبناء دولة القانون والمواطنة والمساءلة.

المعيار ليس من يحكم، بل كيف يحكم، ولمن يحكم، وتحت أي رقابة ومساءلة. ومن يظن أن تغيير الوجوه يمنحه حصانة من النقد، أو أن رفع الشعارات يعفيه من المسؤولية، لم يفهم جوهر الثورة ولا حجم التضحيات التي دفعها السوريون.

  • استقلالية الموقف ليست تهمة:

معركتنا الحقيقية هي ألّا يُختطف المستقبل مرة أخرى، وألّا تتحول تضحيات شعبنا إلى فرصة جديدة أمام الانتهازيين لإعادة إنتاج الماضي. لا نريد استبدادًا بوجوه جديدة، ولا وصاية فكرية تصادر حق السوريين في الاختلاف، ولا سلطة تعتبر النقد خصومة، ولا تيارات تتعامل مع المجتمع باعتباره تابعًا لها.

موقفي ليس اصطفافًا مع أشخاص، بل انحياز إلى مشروع تحرري وطني ديمقراطي ينتصر لتضحيات شعبنا وبلدنا. ومن يريد فهم هذا الموقف، فليقرأ ما كتبت، وليناقش الأفكار والحجج، بدلًا من اختراع الانتماءات وتوزيع الاتهامات.

استقلالية الكاتب لا تُقاس بما يعلنه عن نفسه، بل بثباته على قيمه، واستعداده لمحاسبة كل سلطة، ورفضه المساومة على مبادئه مهما تبدّلت موازين القوى.

ومن هنا، أقولها بوضوح: من يريد اتهام الآخرين، فليبدأ بمراجعة مواقفه وتاريخه، وليقدّم الدليل على اتهاماته، وليتحمّل مسؤولية ما ينشره باسمه الصريح. أما تحويل الحسابات المجهولة والاتهامات المجانية إلى أدوات لتشويه المستقلين، فلن يحوّل الباطل إلى حقيقة، ولن يعفينا من مواصلة النقد.

فهل نريد فعلًا بناء دولة تحترم حرية الرأي والمساءلة، أم نريد إعادة إنتاج ثقافة التخوين والإقصاء التي ثار السوريون على ممارساتها؟

كفى اختباءً خلف الحسابات المجهولة، وكفى توزيعًا للاتهامات بلا دليل! من يملك موقفًا وطنيًا، فليعلنه باسمه الصريح، ومن يملك حجة، فليطرحها أمام الناس. أما من يفتقر إلى الدليل، فلا يحق له أن يحوّل اختلافه مع الآخرين إلى حملات تشويه واغتيال للمواقف.

مواقفي منشورة، وتاريخي متاح للمراجعة، وأنا أتحمّل مسؤولية كل ما أكتب. فليكن النقاش على أساس الوقائع والأدلة، لا الأكاذيب والافتراءات. لن أستمد شرعيتي من حساب مجهول، ولن أستأذن أحدًا في قول ما أؤمن به، ولن أمنح أي سلطة أو تيار أو شخصية حصانة من النقد. هذه هي استقلاليتي، وهذا هو موقفي، ولن تغيّره حملات التشويه ولا ضجيج الحسابات الوهمية.

أحمد سليمان: 

هنا أرشيف يضمّ ملخصًا لمسيرة تقارب عشرين عامًا من المقالات والمواقف المنشورة، والمتاحة للجميع للاطلاع والمراجعة:

https://opl-now.org/category/ahmad-sleiman

وهنا معلومات عني:
https://opl-now.org/ahmadsleiman/

من يريد معرفة مواقفي، فليقرأ ما كتبت، وليحاكم أفكاري إلى ما نشرته فعلًا، لا إلى ما يختلقه الآخرون. أرشيفي مفتوح، ومواقفي قابلة للمراجعة، وأنا أتحمّل مسؤولية ما كتبت. فمن يملك دليلًا يناقض ذلك، فليطرحه علنًا؛ أما الاتهامات المجانية فلا تصنع حقيقة، والحسابات المجهولة لا تمنح أصحابها حق محاكمة الآخرين.

 

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب