7 نوفمبر, 2026

أطفال بلا هوية في سوريا: بين ضرورة الإنصاف وخطر الفوضى القانونية

ليست كل وثيقة مفقودة دليلاً على غياب الحقيقة، وليست كل رواية غير موثقة سبباً كافياً لصناعة حقيقة قانونية جديدة. بين هاتين القاعدتين تقف قضية الأطفال المحرومين من وثائق الهوية والجنسية في سوريا، باعتبارها واحدة من أكثر الملفات الإنسانية والقانونية تعقيداً التي خلفتها سنوات الحرب والنزوح وتفكك المؤسسات.

فالحاجة إلى معالجة أوضاع الأطفال الذين حُرموا من التسجيل المدني أو فقدوا وثائقهم لا تحتمل التأجيل. لكن معالجة هذا الملف في بيئة ما تزال تعاني من اضطراب السجلات، وضياع الملفات، وتعدد الجهات التي أدارت مناطق مختلفة، يجب ألا تتحول إلى إجراءات عشوائية قد تنتج هويات أو قيوداً قانونية يصعب تصحيحها لاحقاً.

وتؤكد المناقشات الأخيرة التي رعتها الأمم المتحدة حول الهوية القانونية للأطفال في سوريا أن المشكلة ترتبط بسنوات النزاع، ووفاة أو اختفاء عدد كبير من الآباء، وضياع الوثائق، والزواج غير المسجل، إلى جانب القيود القانونية التي تجعل انتقال الجنسية في حالات كثيرة مرتبطاً بالأب. كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن السلطات الحالية اتخذت إجراءات سمحت بتسجيل آلاف الأطفال الذين لم يكونوا مسجلين سابقاً، لكن تحديات كبيرة لا تزال قائمة.

  • الحالات التي تحتاج إلى معالجة عاجلة:

تشمل الأولوية الأطفال الذين لم يُسجل ميلادهم بسبب الحرب أو النزوح أو تعذر الوصول إلى دوائر السجل المدني، وكذلك الأطفال الذين فقدت عائلاتهم وثائقها نتيجة القصف أو النزوح أو انهيار المؤسسات.

وتزداد التعقيدات في حالات غياب الأب بسبب الوفاة أو الاختفاء، أو النزاع حول إثبات النسب، أو عدم القدرة على استكمال إجراءات التسجيل الرسمية. كما تشمل الأطفال المولودين في مناطق شهدت سلطات وإجراءات تسجيل مختلفة، إضافة إلى حالات ترتبط بأسر مختلطة الجنسيات أو آباء مجهولي المصير.

وتشير المناقشات الأممية الحديثة إلى أن الأطفال المولودين لأمهات سوريات وآباء متوفين أو مفقودين أو غير سوريين يواجهون بصورة خاصة مخاطر الحرمان من الهوية القانونية أو الجنسية بسبب التشريعات والإجراءات القائمة.

في جميع هذه الحالات، يجب أن تكون مصلحة الطفل وحقه في الهوية القانونية نقطة الانطلاق، وألا يتحمل الطفل مسؤولية الحرب أو أخطاء البالغين أو الظروف التي ولد فيها.

  • الحق في الهوية لا يعني تجاوز التحقق:

غير أن حماية حق الطفل لا تعني أن يتحول نقص الوثائق إلى مبرر لإلغاء قواعد التحقق القانونية.

فسنوات الحرب أنتجت واقعاً معقداً: سجلات ضاعت أو تضررت، ووثائق صدرت في مناطق مختلفة، ووقائع بقيت بلا ملفات مكتملة. لذلك، لا يمكن معالجة جميع الحالات وفق الإجراءات التقليدية وحدها، لكن لا يجوز أيضاً اعتماد روايات غير قابلة للفحص باعتبارها حقائق قانونية نهائية.

المطلوب هو نظام مرن يعتمد وسائل إثبات بديلة، مثل شهادات الولادة والسجلات الطبية والتعليمية والوثائق العائلية والشهادات التي يمكن التحقق منها، مع إحالة الحالات المعقدة إلى مراجعة قضائية وقانونية مستقلة.

وهذا يتوافق مع التوصيات التي طُرحت في إطار الأمم المتحدة، والتي تدعو إلى قبول الوثائق البديلة وتسهيل تسجيل الأطفال، مع معالجة العوائق العملية والقانونية التي تحول دون حصولهم على الهوية.

القاعدة يجب أن تكون واضحة: عدم معاقبة الطفل بسبب نقص الوثائق، من دون تحويل نقص الوثائق إلى وسيلة لتجاوز قواعد إثبات الهوية والنسب.

● التدقيق الجنائي والأمني: حماية الهوية من الاستغلال:

ثمة جانب آخر لا يجوز إغفاله عند معالجة هذا الملف، وهو ضرورة إخضاع الحالات المعقدة لإجراءات تدقيق قانونية وجنائية وأمنية دقيقة، تشمل الأشخاص البالغين المعنيين بتسجيل الأطفال أو تصحيح قيودهم المدنية، ولا سيما عندما تثير الوثائق أو الروايات المقدمة شبهات جدية تستوجب التحقيق.

فالحرب السورية لم تنتج فقط حالات النزوح وفقدان الوثائق وتعطل السجلات المدنية، بل شهدت أيضاً تعدد أطراف النزاع، وتدخل قوات وتشكيلات مسلحة محلية وأجنبية، ووجود مقاتلين أجانب وتنظيمات متطرفة. وقد وثّقت جهات أممية انتهاكات جسيمة للقانون الدولي ارتكبتها أطراف متعددة خلال سنوات النزاع، الأمر الذي يجعل التحقق من الملفات المعقدة ضرورة قانونية لا يجوز تجاوزها.

ومن الضروري أن تشمل إجراءات التحقق جميع الحالات دون استثناء، بما فيها أوضاع الأجانب الذين دخلوا سوريا أو أقاموا فيها خلال سنوات الحرب، ولا سيما في مناطق مثل إدلب، التي شهدت وجود مقاتلين وأفراد وتشكيلات مسلحة من جنسيات وخلفيات متعددة. ولا ينبغي أن تؤدي الترتيبات السياسية أو الأمنية اللاحقة، أو تبدل التحالفات والولاءات، إلى إعفاء أي شخص من التحقق القانوني من هويته ومساره وأي مسؤوليات جنائية فردية قد تكون قائمة بحقه.

ويشمل ذلك فحص الوثائق والإقامات والارتباطات التنظيمية عند وجود أدلة ذات صلة، والأحكام القضائية ومذكرات التوقيف، وما يتوافر من أدلة موثوقة بشأن المشاركة الفردية في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو أنشطة إجرامية منظمة.

لكن هذا التدقيق يحتاج إلى ضوابط قانونية صارمة؛ فلا تكفي الجنسية الأجنبية أو الخلفية القومية أو الانتماء السابق إلى جهة سياسية أو عسكرية لإثبات ارتكاب جريمة. فالمسؤولية الجنائية فردية، ولا تثبت إلا بالأدلة والإجراءات القضائية التي تضمن حق الدفاع والمحاكمة العادلة.

والأهم أن أي تدقيق جنائي أو أمني يخص البالغين يجب ألا يتحول إلى عقوبة تطال الأطفال. فلا يجوز حرمان طفل من التسجيل المدني أو الجنسية بسبب ماضي والده أو والدته، أو بسبب انتمائهما أو اتهامهما. وفي المقابل، لا ينبغي أن تصبح حماية حقوق الأطفال غطاءً لتسوية أوضاع بالغين قد توجد بحقهم ملفات جنائية جدية.

المطلوب هو الفصل الواضح بين حق الطفل في الهوية والحماية القانونية، وبين مساءلة البالغين عن أفعالهم الفردية. فلا حصانة بسبب الولاء، ولا إدانة بسبب الهوية؛ فالقانون يجب أن يسري على الجميع دون استثناء.

إن سلامة السجل المدني لا تتحقق بالتساهل في التحقق، ولا بالاشتباه بالجميع، بل ببناء قاعدة بيانات موثوقة وإجراءات تدقيق مستقلة، تمنع استغلال الفوضى التي خلفتها الحرب لإنتاج هويات أو قيود غير صحيحة، من دون أن تتحول مكافحة التجاوزات إلى ذريعة للحرمان الجماعي من الحقوق.

  • التدقيق الجنائي والأمني: حماية الهوية من الاستغلال:

ثمة جانب آخر لا يجوز إغفاله عند معالجة هذا الملف، وهو ضرورة بناء إجراءات تدقيق قانونية دقيقة في الحالات التي تتعلق بالبالغين وتثير فيها الوثائق أو الروايات المقدمة شبهات جدية تستوجب التحقق.

فالحرب السورية لم تنتج فقط ملايين حالات النزوح وفقدان الوثائق وتعطل السجلات المدنية، بل شهدت تعدد أطراف النزاع، وتدخل قوات وتشكيلات مسلحة محلية وأجنبية، ووجود مقاتلين أجانب وتنظيمات متطرفة. وقد وثقت جهات أممية خلال سنوات النزاع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي ارتكبتها أطراف متعددة، ما يجعل معالجة الملفات المدنية المعقدة بحاجة إلى فصل واضح بين حق الطفل في الهوية وبين أي مسؤوليات فردية قد تخص البالغين.

ولهذا، لا ينبغي أن تقتصر عملية تصحيح القيود المدنية على مطابقة الأسماء والوثائق شكلياً في الحالات المعقدة، بل تحتاج إلى آليات قانونية مستقلة للتحقق من الهوية الفعلية، ومن وجود أحكام قضائية أو مذكرات توقيف أو أدلة جدية تتعلق بمشاركة فردية في جرائم جسيمة، مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الجرائم المنظمة.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى ضبط صارم: لا يكفي الاشتباه، ولا الانتماء السابق إلى جهة سياسية أو عسكرية، لإثبات ارتكاب جريمة. فالمسؤولية الجنائية فردية، ولا تثبت إلا وفق الأدلة والإجراءات القانونية وضمانات حق الدفاع والمحاكمة العادلة.

والأهم أن أي تدقيق جنائي أو أمني يخص البالغين يجب ألا يتحول إلى عقوبة تطال الأطفال. فلا يجوز حرمان طفل من التسجيل المدني أو من حقه في الهوية بسبب ماضي والده أو والدته، أو بسبب اتهامات لم تثبت قضائياً.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تصبح حماية حقوق الأطفال غطاءً لتسوية أوضاع بالغين قد توجد بحقهم ملفات جنائية جدية.

المطلوب هو الفصل الواضح بين حق الطفل في الهوية والحماية القانونية وبين مساءلة البالغين عن أفعالهم الفردية.

  • الأطفال ليسوا مسؤولين عن أفعال آبائهم:

من المبادئ الأساسية التي ينبغي حمايتها عدم تحميل الأطفال تبعات أفعال أو انتماءات آبائهم. فالطفل لا ينبغي أن يفقد حقه في الاسم والهوية والحماية والتعليم بسبب جنسية والده أو نشاطه أو ظروف ولادته.

وهذا المبدأ يكتسب أهمية خاصة في الحالات المرتبطة بأطفال وُلدوا في مناطق النزاع أو لأسر ارتبط بعض أفرادها بجماعات مسلحة أو متطرفة. فالطفل لم يختر والديه، ولم يختر الحرب، ولا يجوز أن يتحول إلى ضحية دائمة لأفعال لم يرتكبها.

لكن حماية الطفل لا تعني إلغاء المسؤولية الفردية للبالغين عند وجود أفعال جرمية مثبتة. وهنا يجب الفصل بوضوح بين حق الطفل في الهوية وبين أي مسؤوليات قانونية أو جنائية تخص أشخاصاً بالغين.

فلا مسؤولية جماعية، ولا عقوبة بالهوية، ولا حرمان للأطفال بسبب أفعال لم يرتكبوها.

  • إصلاح قانون الجنسية:

تبقى مسألة انتقال الجنسية من الأم السورية إلى أطفالها من أبرز القضايا التي تحتاج إلى معالجة تشريعية جدية، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها الأب متوفياً أو مفقوداً أو مجهول المصير، أو يتعذر إثبات جنسيته.

ويستند القانون السوري الحالي إلى قواعد تجعل الجنسية تُنقل أساساً عبر الأب، مع استثناءات محدودة، الأمر الذي يخلق صعوبات قانونية في عدد من الحالات. وقد أكدت المناقشات الأخيرة في الأمم المتحدة أن إصلاح هذه القواعد، وقبول الوثائق البديلة، من المسارات الأساسية لمنع بقاء الأطفال بلا هوية أو جنسية.

إن تقليص احتمالات انعدام الجنسية ليس مسألة إدارية ثانوية، بل جزء من حماية حق الطفل في الهوية والانتماء القانوني. كما ينبغي إيجاد ضمانات تحول دون بقاء الأطفال بلا جنسية بصورة فعلية.

  • تسوية منظمة لا فوضى إدارية:

تحتاج سوريا إلى آلية وطنية واضحة لمعالجة أوضاع الأطفال غير المسجلين، ضمن إجراءات استثنائية محددة زمنياً، مع رقابة قضائية وقانونية.

وينبغي أن تسمح هذه الآلية للعائلات بتصحيح القيود المدنية التي تأثرت بظروف الحرب، مع حماية من يتقدم بحسن نية لتصحيح واقعة قانونية. وقد طُرح في المناقشات الأممية اقتراح منح فترة سماح قانونية للعائلات التي اضطرت، في ظروف استثنائية، إلى تسجيل أطفال بطرق غير صحيحة، بما يسمح بتصحيح السجلات من دون تحويل حسن النية إلى جريمة بحد ذاته.

لكن هذه الحماية يجب ألا تتحول إلى باب مفتوح للتزوير المتعمد أو الاتجار بالهويات أو اختلاق الأنساب. فحماية الأطفال تقتضي أيضاً حماية نظام الهوية المدنية من العبث.

  • هوية الطفل جزء من إعادة بناء الدولة:

الطفل الذي لا وجود قانونياً له يصبح أكثر عرضة للتهميش والاستغلال، وقد يواجه صعوبات في التعليم والرعاية الصحية والتنقل والعمل مستقبلاً. كما أن غياب الهوية القانونية يمكن أن يزيد من مخاطر الاستغلال ويدفع بالأطفال إلى هامش الحماية الاجتماعية والقانونية.

لذلك، فإن معالجة هذا الملف ليست مجرد خدمة إدارية، بل جزء من إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أساس المواطنة وسيادة القانون.

الدولة لا تستطيع أن تترك جيلاً كاملاً خارج السجل القانوني، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع بناء سجل مدني سليم فوق معلومات غير مدققة أو تسويات غامضة.

المطلوب ليس تسجيل الناس بأي ثمن، ولا تعليق حقوق الأطفال بحجة نقص الأوراق، بل نظام قانوني استثنائي يجمع بين المرونة الإنسانية والدقة القانونية، وبين حماية الطفل وسلامة السجل المدني.

فالحق في الهوية لا يجب أن يكون امتيازاً لمن احتفظ بأوراقه خلال الحرب، لكن إعادة الحقوق لا يمكن أن تقوم على الفوضى. وبين هذين الواجبين يكمن الاختبار الحقيقي: إنصاف الطفل الذي لم يصنع ظروف حرمانه، وحماية الحقيقة القانونية من أن تضيع مرة أخرى.

أحمد سليمان 

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب