لم يعد ملف محمد حمشو مجرد معلومات متداولة أو اتهامات تتناقلها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. لقد انتقل الملف إلى مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة الوثائق والشهادات والأدلة التي وُضعت أمام القضاء السوري، وباتت تنتظر منه ما يجب أن يكون الخطوة الطبيعية في دولة القانون: التحقيق الفوري، وفحص الأدلة، وتحديد المسؤوليات.
الملف الذي أعدّته الخبيرة الاقتصادية والناشطة السورية لما العقيلي، بعد أشهر من العمل وجمع الشهادات والوثائق والتسجيلات والصور والفيديوهات الصريحة والمهمة، لا يقوم على رواية واحدة أو معلومة عابرة، بل يضم مواد متعددة المصادر تتطلب من الجهات القضائية المختصة فحصها والتحقق منها وتقييم قيمتها القانونية. وإذا أثبت التحقيق صحة ما تتضمنه هذه المواد، فإن المسؤولية يجب أن تطال كل من تثبت صلته بالتمويل أو التصنيع أو التسليح أو التسهيل أو أي أفعال تدخل في نطاق جرائم الحرب.
سبق أن نشرنا في «نشطاء الرأي» مواد حول الدور المنسوب إلى محمد حمشو في مشاريع التصنيع العسكري، مستندين، من بين مصادر أخرى، إلى شهادات ووثائق كانت قد جمعتها لما العقيلي من مهندسين وعاملين سابقين داخل مشاريع مرتبطة باسم حمشو. ومع توالي الشهادات والمواد وتراكم الأدلة، اكتسبت تلك المعلومات بعدًا أكثر أهمية، وأصبحت جزءًا من ملف متكامل سُلّم إلى القضاء السوري.
والملف، بحسب ما أُعلن عنه، لا يقتصر على شهادات مكتوبة؛ بل يتضمن وثائق وتسجيلات وصورًا وفيديوهات ومواد فنية وإفادات يمكن التحقق منها، بما يضع أمام القضاء إمكانية الانتقال من مرحلة التوثيق الإعلامي إلى مرحلة التحقيق القضائي المنهجي.
وهنا تحديدًا تتغير المسألة: لم يعد السؤال ماذا قالت لما العقيلي، أو ماذا نشر الإعلام، بل ماذا سيفعل القضاء السوري بما وُضع أمامه؟
المطلوب ليس حكمًا مسبقًا، بل تحقيقًا لا يتأخر. وليس إدانة عبر الإعلام، بل عدالة تُبنى على الأدلة.
وهنا تنتهي مهمة التوثيق… وتبدأ مهمة القضاء.
من مصانع «جولان» إلى منظومة التصنيع العسكري:
أحد المحاور الرئيسية في الملف يتعلق بما عُرف باسم «مصانع جولان»، وما يتضمنه من أدلة وشهادات حول الدور المنسوب إلى محمد حمشو في مشاريع مرتبطة بتصنيع الأسلحة.
وتتحدث شهادات مهندسين وعاملين سابقين عن منشآت وخطوط إنتاج ومعدات استخدمت في تصنيع نماذج مختلفة من الأسلحة، إلى جانب مواد مصورة وتسجيلات ووثائق مرتبطة بهذه المشاريع.
كما تتضمن مواد منشورة سابقًا معلومات عن ارتباط هذه المنشآت بشبكات عسكرية وأمنية تابعة للنظام السابق، وهو ما يجعل القضية تتجاوز مجرد نشاط صناعي أو تجاري، وتستدعي تحقيقًا قضائيًا يحدد طبيعة هذه العلاقة ومسؤوليات أطرافها.
والأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها التحقيق واضحة:
- من موّل هذه المنشآت؟
- من أدارها وأشرف على عملها؟
- من أمّن الحماية لها؟
- ما الجهات العسكرية التي ارتبطت بها؟
- لمن كانت تُسلّم الأسلحة المنتجة؟
- أين استُخدمت؟
- ومن كان صاحب القرار في عمليات الإنتاج والتسليم؟
هذه ليست أسئلة إعلامية يمكن أن تبقى معلقة بين الروايات؛ إنها أسئلة قضائية، والملف أصبح أمام القضاء.
العلاقة مع الفرقة الرابعة وماهر الأسد:
يزداد الملف حساسية عند بحث العلاقة المنسوبة إلى مصانع «جولان» بالفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد.
وهنا يجب التمييز بين ما يقدمه الملف الحالي من أدلة يتعين على القضاء التحقق منها، وبين الوقائع التي سبق توثيقها في مصادر مستقلة.
ففي عام 2011 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على محمد حمشو ومجموعة حمشو الدولية، ووصفته بأنه رجل أعمال مقرّب من ماهر الأسد، وقالت إنه عمل كواجهة لبعض الأنشطة المرتبطة بعائلة الأسد. وهذه الوثيقة لا تشكل حكمًا قضائيًا بشأن الاتهامات الواردة في الملف الحالي، لكنها تقدم خلفية موثقة عن علاقة حمشو بدائرة ماهر الأسد، وتمنح التحقيق القضائي سياقًا مهمًا لفحص الادعاءات المتعلقة بمشاريع التصنيع العسكري.
«حصن الشام»… الوجه الآخر للملف:
إلى جانب التصنيع العسكري، يتضمن الملف المقدم إلى القضاء اتهامات تتعلق بدور محمد حمشو في تمويل ميليشيا «حصن الشام».
وهذا جانب يحتاج بدوره إلى تحقيق يحدد طبيعة العلاقة المالية والتنظيمية، ومصادر التمويل، والجهات التي كانت تتلقى الأموال أو السلاح، ودور الأشخاص والشركات المرتبطة بهذه الشبكة.
والسؤال هنا بسيط:
هل توجد أدلة يمكن التحقق منها؟
إذا كانت موجودة، فعلى القضاء فحصها. وإذا كانت غير كافية، فعلى القضاء أن يقول ذلك. أما ترك الملف بلا تحقيق، فلا يخدم العدالة ولا الحقيقة.
الملف أكبر من اسم واحد:
تكمن خطورة القضية، في حال أثبت التحقيق صحة الأدلة المقدمة، في احتمال أن تكشف شبكة أوسع من مجرد اسم رجل أعمال.
فالتحقيق الجدي يجب أن يتتبع مسار المال والسلاح والمسؤولية، وصولًا إلى كل من شارك في التمويل أو التصنيع أو التسهيل أو الحماية أو التسليم.
وهذا يعني فحص:
- مصادر التمويل والتحويلات المالية.
- الشركات والواجهات الاقتصادية المستخدمة.
- الشركاء والوسطاء.
- الجهات العسكرية والأمنية التي وفرت الحماية أو الدعم.
- مواقع وخطوط إنتاج الأسلحة.
- الجهات التي تسلمت الأسلحة.
- العمليات التي استخدمت فيها.
- أصحاب القرار وكل من تثبت مسؤوليته.
فالجرائم الكبرى لا تُفهم دائمًا من خلال الشخص الذي نفذها فقط، بل من خلال الشبكة التي جعلت تنفيذها ممكنًا.
لا نريد محاكمة شعبية… نريد عدالة:
المطالبة بفتح الملف لا تعني إصدار حكم مسبق على محمد حمشو.
فلكل متهم الحق في الدفاع عن نفسه وفي محاكمة عادلة، وفي المقابل للسوريين الحق في معرفة حقيقة ما جرى خلال سنوات الحرب، ومعرفة من موّل أو سلّح أو استفاد من منظومات القمع والقتل.
القضية ليست انتقامًا من رجل أعمال، وليست تشهيرًا بأحد. القضية هي وضع الأدلة أمام القضاء وتركه يحدد ما إذا كانت الأفعال المنسوبة قد وقعت، ومن يتحمل مسؤوليتها وفق القانون.
وهذا لا يحسمه الإعلام، ولا الناشطون، ولا وسائل التواصل الاجتماعي.
يحسمه القضاء.
لماذا الآن؟
لأن الوقت في مثل هذه الملفات ليس عنصرًا محايدًا. التأخير قد يعني ضياع الأدلة، وصعوبة الوصول إلى الشهود، واختفاء الوثائق والسجلات، أو نقل الأموال والأصول والملكيات.
لذلك فإن المطلوب واضح: فتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل، وحفظ الأدلة، والاستماع إلى الشهود، وفحص الوثائق والتسجيلات، وتتبع مسارات الأموال والملكية، والتحقق من العلاقة بين مصانع «جولان» والجهات العسكرية المرتبطة بالنظام السابق، والتحقيق في الاتهامات المتعلقة بتمويل «حصن الشام»، ثم تحديد المسؤوليات الفردية وفق القانون.
إذا كانت الأدلة كافية، فليأخذ القانون مجراه. وإذا لم تكن كافية، فليأخذ القانون مجراه أيضًا.
المهم ألا يبقى الملف معلّقًا.
انتهى زمن الأدراج:
إذا كانت سوريا الجديدة تريد بناء دولة قانون، فلا يمكن أن تبقى ملفات الحرب الكبرى معلقة بين منشور على فيسبوك، وتقرير صحفي، وشهادة شاهد.
الملف اليوم، بحسب ما أعلنته لما العقيلي، أمام القضاء السوري.
لذلك أصبح السؤال: ماذا سيفعل القضاء السوري بما قُدّم إليه؟
هل سيفتح التحقيق؟ هل سيستدعي الشهود؟ هل سيفحص الوثائق والتسجيلات؟ هل سيتتبع مسارات الأموال؟ هل سيحقق في مصانع «جولان»؟ هل سيتحقق من العلاقة مع الفرقة الرابعة؟ هل سيفتح ملف «حصن الشام»؟
وهل ستصل التحقيقات، إذا أثبتت الأدلة وجود شبكة أوسع، إلى جميع المسؤولين عنها، دون النظر إلى أسمائهم أو نفوذهم أو ثرواتهم؟
من حمشو إلى بقية ملفات اقتصاد الحرب:
ولا ينبغي أن تتوقف القضية عند محمد حمشو وحده.
إذا أثبت التحقيق وجود شبكة تمويل وتصنيع وتسليح مرتبطة بجرائم ارتُكبت بحق السوريين، فإن المنطق القانوني يقتضي تتبع الشبكة كاملة، أياً كانت أسماء الأشخاص أو الشركات التي تظهر فيها.
العدالة لا تتوقف عند حامل السلاح.
عليها أن تصل أيضًا إلى من موّله، ومن سلّحه، ومن وفر له الحماية، ومن استفاد من الجريمة، مع الحفاظ على القاعدة التي لا يمكن تجاوزها: لا إدانة بلا دليل، ولا عقوبة بلا محاكمة عادلة.
الرسالة إلى القضاء السوري:
الملف أمامكم.
لذلك لا تجعلوا السوريين ينتظرون سنوات أخرى لمعرفة الحقيقة.
- افتحوا التحقيق فورًا.
- احفظوا الأدلة.
- استمعوا إلى الشهود.
- افحصوا الوثائق والتسجيلات.
- تتبعوا الأموال.
- حققوا في مصانع «جولان».
- حققوا في ملف «حصن الشام».
- تحققوا من العلاقات العسكرية والاقتصادية التي تكشفها الأدلة.
- حددوا المسؤوليات الفردية بدقة.
- أحيلوا من تثبت مسؤوليته إلى القضاء وفق القانون.
بعد سنوات طويلة من الحرب، يحتاج السوريون إلى رسالة واضحة:
لا حصانة للمال أمام القانون.
لا حصانة للنفوذ أمام العدالة.
ولا ينبغي أن تكون الجرائم الكبرى قابلة للنسيان لمجرد مرور السنوات.
ملف محمد حمشو اليوم أمام القضاء السوري.
والدعوة واضحة: متابعة فورية، وتحقيق جدي، وبلا تلكؤ.
فالعدالة لا تبدأ عندما يصدر الحكم.
العدالة تبدأ عندما يفتح القضاء الملف.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
الأمم المتحدة تتدخل في ملف تركته دمشق مفتوحًا: ما تكسبه السياسة السورية في عام تخسره بقرار دولي.
اتحادُ الكُتّاب يقحم نفسه في عمل «هيئة العدالة الانتقالية»
حين يصبح التقشف فاتورة اجتماعية: هل تدفع الطبقة الوسطى ثمن أزمة ألمانيا؟