لم تعد التطورات الأخيرة في اليمن مجرد جولة جديدة على جبهة قديمة. فمنذ انهيار الهدوء الذي استمر سنوات وتصاعد المواجهات خلال الأسابيع الأخيرة، دخلت جبهات عدة مرحلة أكثر حدة، ولا سيما في غرب تعز والساحل الغربي وجنوب الحديدة، بالتزامن مع محاولات حوثية للتقدم نحو مواقع ذات أهمية استراتيجية على محور المخا وبالقرب من باب المندب، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها هجماتها المضادة، واستعادت عدداً من المواقع التي خسرتها خلال التصعيد.
لكن هذه التطورات، على أهميتها، لا تعني أن الحوثيين أصبحوا على وشك الانهيار، ولا تسمح بالقول إن الحرب اقتربت من نهايتها. ما تكشفه، قبل أي شيء، هو أن موازين القوى في اليمن قد تكون دخلت مرحلة جديدة من إعادة التشكيل، وأن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على موقع أو جبهة، وإنما حول شكل القوة التي ستحدد مستقبل البلاد.
السؤال الأكثر أهمية، في هذه المرحلة، ليس فقط: من يتقدم على الأرض؟ بل: هل يمكن لهذه التحولات العسكرية أن تسهم في إعادة بناء قوة دولة موحدة، أم أنها ستؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ بين قوى مسلحة متعددة، بحيث تستمر خريطة مراكز القوة حتى بعد توقف القتال؟
معسكر مناهض للحوثيين… لكنه ليس قوة واحدة:
المعسكر المناهض للحوثيين ليس كتلة عسكرية وسياسية متجانسة. فهو يضم القوات الحكومية وتشكيلات عسكرية متعددة، بينها القوات المشتركة في الساحل الغربي، والمقاومة الوطنية، وألوية العمالقة، إلى جانب قوات محلية وقبلية وقوى سياسية ذات انتشار ومصالح وارتباطات مختلفة في تعز ومأرب والجنوب والشرق.
وقد ظهر هذا التعدد بوضوح خلال التصعيد الأخير، مع دخول تشكيلات مختلفة في المعارك أو تعزيز انتشارها على عدد من الجبهات. وهذا يمنح المعسكر المناهض للحوثيين قدرة عسكرية وبشرية لا يمكن تجاهلها، لكنه يكشف في الوقت نفسه واحدة من أعقد مشكلات المشهد اليمني: تعدد مراكز القرار.
فالمشكلة اليمنية لم تكن في السنوات الماضية نقصاً في القوى المسلحة، بقدر ما كانت في غياب سلطة موحدة تمتلك القرار النهائي بشأن استخدامها.
وهنا تكمن المفارقة. فالقوى التي تقاتل الحوثيين تحت شعار استعادة الدولة تعتمد، في جزء من قوتها، على تشكيلات عسكرية متعددة، لكل منها قيادتها وشبكة علاقاتها ومصالحها. وقد يكون هذا الأمر مفهوماً في ظروف الحرب، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما يبدأ الحديث عن الدولة التي يفترض أن تأتي بعد الحرب.
الحوثيون لم يخرجوا من المعادلة:
في المقابل، سيكون من الخطأ تفسير التراجع الحوثي في بعض الجبهات باعتباره انهياراً للجماعة.
فالتطورات الأخيرة أظهرت أن الحوثيين ما زالوا يحتفظون بقدرة على تنفيذ هجمات متعددة الوسائط وعلى أكثر من محور، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والمدفعية، إلى جانب العمليات البرية ومحاولات تغيير خطوط التماس في مناطق ذات أهمية عسكرية واستراتيجية.
وقد تمكن الحوثيون خلال بداية التصعيد من تحقيق مكاسب في بعض المواقع، قبل أن تتمكن القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها من استعادة جزء منها. وهذا يجعل المعارك الحالية أقرب إلى اختبار جديد لموازين القوى منها إلى معركة حاسمة يمكن أن تحدد وحدها مسار الحرب.
والاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في قدرة الحوثيين على فتح جبهة جديدة، بل في قدرتهم على الاحتفاظ بالمبادرة العسكرية عندما تصبح خصومهم أكثر تنسيقاً وقدرة على الرد.
وفي الوقت نفسه، فإن قدرة خصوم الحوثيين على تحقيق مكاسب ميدانية لا تعني تلقائياً امتلاكهم القدرة على تحويل تلك المكاسب إلى تفوق استراتيجي مستدام.
باب المندب… جغرافيا تتجاوز حدود اليمن:
تمنح الجغرافيا المعارك في الساحل الغربي بعداً يتجاوز حدود الحرب اليمنية نفسها.
فمناطق تعز والساحل الغربي والمخا والحديدة ترتبط بممر بحري بالغ الحساسية، هو باب المندب، الذي يشكل أحد أهم المعابر البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
ولهذا فإن أي تغيير في ميزان السيطرة على المناطق القريبة من هذا المحور لا ينعكس على الداخل اليمني وحده، وإنما يكتسب أهمية إقليمية ودولية، خصوصاً في ظل الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة في البحر الأحمر والمنطقة المحيطة به خلال السنوات الأخيرة.
ومن هنا، فإن أهمية المعارك الحالية لا تتحدد فقط بمساحتها الجغرافية أو بأعداد القوات المشاركة فيها، وإنما بما يمكن أن تتركه من أثر في أمن البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية.
إن السيطرة على الأرض في هذه المنطقة تعني، في جانب منها، السيطرة على موقع جغرافي يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط إقليمية، وهو ما يجعل الساحل الغربي أحد أكثر محاور الصراع اليمني حساسية.
المشكلة التي تسبق نهاية الحرب:
حتى لو تمكن المعسكر المناهض للحوثيين من تحقيق مكاسب عسكرية أكبر، فإن ذلك لن يحل تلقائياً المشكلة الأساسية في اليمن.
فالبلاد لا تحتاج فقط إلى تغيير خطوط السيطرة، وإنما إلى إعادة بناء مؤسسات دولة قادرة على توحيد القرار العسكري والأمني ووضع السلاح، تدريجياً، تحت سلطة الدولة.
وهنا تظهر مفارقة الحرب اليمنية بأوضح صورها: القوى التي تقاتل الحوثيين من أجل استعادة الدولة تستخدم هي الأخرى تشكيلات عسكرية متعددة. وقد يكون ذلك ضرورة فرضتها سنوات الصراع، لكنه لا يمكن أن يشكل أساساً دائماً لدولة مستقرة.
فالانتصار العسكري لا يصبح انتصاراً للدولة بمجرد تغيير الجهة التي تسيطر على الأرض. قيمته الحقيقية تبدأ عندما يتحول إلى مؤسسات وقواعد قانونية وسلطة عامة، لا عندما ينتقل السلاح من يد جماعة إلى يد جماعة أخرى.
من تحالف الضرورة إلى مشروع الدولة:
التحدي الحقيقي أمام القوى المناهضة للحوثيين لا يقتصر على توحيد الجبهات، وإنما يمتد إلى توحيد الرؤية السياسية.
فالتنسيق العسكري يمكن أن ينشأ تحت ضغط الخطر المشترك، لكنه لا يكفي لبناء دولة. والدولة لا تقوم فقط على امتلاك القوة، وإنما على تحديد الجهة التي تستخدمها، والقواعد التي تحكم استخدامها، والمؤسسات التي تخضع لها.
وهذا يفتح ملفات أكثر تعقيداً من المعركة نفسها: مستقبل الجنوب، شكل السلطة، توزيع الموارد، وضع القوات المحلية، العلاقة بين المركز والأطراف، ومستقبل الجيش والأجهزة الأمنية، فضلاً عن طبيعة التسوية السياسية التي يمكن أن تنهي الحرب من دون أن تنتج حرباً جديدة بأشكال مختلفة.
هذه القضايا لا تحسمها المعارك وحدها.
ولهذا ينبغي النظر إلى أي تقدم عسكري باعتباره جزءاً من مسار أوسع، لا باعتباره نهاية لذلك المسار. فالجبهة قد تتغير خلال أيام، أما بناء الدولة فيحتاج إلى اتفاق سياسي طويل الأمد، وإلى مؤسسات تحظى بالشرعية والقدرة على فرض القانون.
إعادة ترتيب القوى لا تعني بعدُ استعادة الدولة:
ما يجري في اليمن مهم، لكنه لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال.
قد يؤدي الضغط العسكري المتزايد إلى تغيير حسابات الحوثيين وفتح مساحة لمسار سياسي أكثر جدية. وقد يؤدي، في المقابل، إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى اليمنية نفسها، خصوصاً إذا لم تترافق المكاسب العسكرية مع تفاهمات سياسية واضحة.
كما أن استمرار تعدد القوى المسلحة قد يجعل أي انتصار ميداني عرضة للتحول إلى مرحلة جديدة من التنافس الداخلي، بدلاً من أن يكون خطوة نحو استعادة مؤسسات الدولة.
ولهذا فإن الحديث عن الاستقرار لا يزال مبكراً.
لكن هناك تحولاً يستحق الانتباه: المعادلة اليمنية تتحرك، بصورة متزايدة، من مجرد صراع على الأرض نحو صراع على شكل الدولة التي ستأتي بعد الحرب.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لجميع القوى، وليس للحوثيين وحدهم.
هل تستطيع القوى المتحالفة ضد الحوثيين تحويل التنسيق العسكري إلى مشروع سياسي؟ وهل تستطيع الدولة استيعاب التشكيلات المسلحة المختلفة ضمن مؤسسة وطنية واحدة؟ وهل يمكن أن يتحول النفوذ الذي نشأ خلال الحرب إلى سلطة تخضع للقانون، بدلاً من أن يصبح أساساً لصراع جديد؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من السؤال التقليدي حول من يسيطر على هذه المدينة أو تلك الجبهة.
فاليمن لن يستعيد دولته بمجرد أن يخسر طرفٌ الحرب، وإنما عندما يصبح قرار الحرب والسلم والسلاح خاضعاً لمؤسسات الدولة وحدها.
وهذه، في النهاية، هي المعركة الأصعب: ليس فقط إنهاء الحرب، بل منع الحرب من أن تعيد إنتاج نفسها داخل الدولة بعد انتهائها.
أحمد سليمان
المصدر نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
ملف محمد حمشو: أمام القضاء السوري من مصانع السلاح إلى تمويل الميليشيات… ودعوة إلى متابعة فورية بلا تلكؤ
الأمم المتحدة تتدخل في ملف تركته دمشق مفتوحًا: ما تكسبه السياسة السورية في عام تخسره بقرار دولي.
اتحادُ الكُتّاب يقحم نفسه في عمل «هيئة العدالة الانتقالية»