ليست المشكلة في خروج الناس إلى الشارع احتجاجًا على واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي مأزوم، بل في الكيفية التي يُستقبل بها هذا الخروج. هل يُفهم بوصفه تعبيرًا مشروعًا عن مطالب متراكمة، أم يُختزل سريعًا في تهم جاهزة تُفرغه من مضمونه؟ بين هذين المسارين يتشكل اليوم مشهد سوري متوتر، تتقاطع فيه الأزمات المعيشية مع الصراع السياسي، ويتجاور فيه الحق في التعبير مع محاولات نزع شرعيته.
في هذا السياق، جاء الاعتصام الذي دُعي إليه في ساحة يوسف العظمة، حاملاً حزمة مطالب يصعب القفز فوقها أو تسطيحها. في جوهرها، تعكس هذه المطالب الحاجة إلى انتقال فعلي نحو إدارة أكثر تمثيلًا ومساءلة، ورفض إعادة إنتاج منظومات سابقة بأدوات جديدة. وبموازاة ذلك، تطرح بوضوح أزمات يومية ضاغطة: تآكل القدرة الشرائية، فوضى الأسعار، تراجع الخدمات الأساسية، ومخاوف متصاعدة تتعلق بالملكية والحقوق. كما تحضر بقوة مطالب توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز الشفافية، وصون الحريات العامة كمدخل لأي استقرار حقيقي. وقد جاء هذا التحرك في 17 نيسان/أبريل 2026، ليعبّر عن ذروة هذا التراكم.
من خلال متابعة التصريحات المتباينة، إلى جانب مشاهد من البث المباشر، يتضح أن المشهد لا يقتصر على حراك احتجاجي، بل يعكس استقطابًا حادًا بين شارعين متقابلين: أحدهما يمارس حقه في التظاهر، والآخر يتحرك لتقويض هذا الحق عبر حملات منظمة للتشكيك في شرعيته. اللافت أن اتهامات التخوين سبقت الحدث نفسه، في تكرار لنمط قديم كان يلجأ إلى وصم أي تحرك مدني بارتباطات خارجية دون أدلة.
ما جرى في ساحة يوسف العظمة جسّد هذا الانقسام بوضوح. فقد وجد منظمو الاعتصام أنفسهم أمام واقع مغاير لما أُعلن، بعد أن سبقهم إلى المكان حشد من مناصري السلطة، في محاولة لفرض أمر واقع ميداني. ومع تصاعد التوتر، لم تبقِ المواجهة في إطار التباين السياسي، بل انزلقت سريعًا إلى خطاب تحريضي واحتكاكات مباشرة، دفعت المعتصمين إلى التراجع نحو أطراف الساحة.
في المقابل، بدا التعامل الأمني ملتبسًا منذ البداية؛ إذ غابت إجراءات بديهية لتأمين المكان، كتنظيم حركة السير أو الفصل بين الطرفين، ما فتح الباب أمام تفاقم الاحتكاك. ومع تطور الأحداث، سُجلت اعتداءات طالت مشاركين وصحفيين، بما في ذلك تحطيم أدوات توثيق، قبل تدخل متأخر لاحتواء الموقف. إلا أن ذلك لم يوقف الهتافات العدائية ولا تمزيق اللافتات، وصولًا إلى تهديدات مباشرة دفعت المنظمين إلى إنهاء الاعتصام تفاديًا لتصعيد أخطر.
وإذا كان المشهد الميداني قد كشف حجم الاستقطاب، فإن ما رافقه من ممارسات يطرح سؤالًا أعمق يتعلق بجوهر الحريات العامة. فالقضية لم تعد مجرد خلاف بين متظاهرين ومناوئين، بل تحولت إلى اختبار فعلي لمدى صون حق التعبير نفسه.
ما جرى لم يقتصر على احتكاكات أو فوضى عابرة، بل حمل مؤشرات مقلقة على انزلاق نحو تبرير العنف ضد من يمارس هذا الحق. من رفع مطالب معيشية وسياسية واضحة – تتعلق بالكرامة، والتمثيل، وضبط الفوضى الاقتصادية – وجد نفسه في مواجهة خطاب لا يناقش هذه المطالب، بل يسعى إلى إسكاتها أو شيطنتها. هنا لا يكون الخلاف على مضمون الطرح، بل على حق وجوده أساسًا.
الأخطر من ذلك، هو انتقال المواجهة من مستوى الرأي إلى مستوى الاستهداف الشخصي، سواء عبر الاعتداء المباشر أو من خلال حملات التشهير غير المستندة إلى أدلة. حين يتحول الاتهام إلى أداة جاهزة، يصبح كل فرد عرضة لأن يُدان بلا دليل، وتتحول الشائعة إلى حكم ميداني. في هذه اللحظة، لا يعود النقاش عامًا، بل يتحول إلى مساحة مفتوحة للفوضى، يُستبدل فيها القانون بردود الفعل.
هذه الديناميكية لا تعكس فقط خللًا أمنيًا، بل تكشف أزمة أعمق في فهم معنى “الشرعية” و”الوطنية”. هل تُقاس بقدرة طرف على فرض صوته في الشارع؟ أم بمدى احترامه لحق الآخرين في التعبير عندما يختلف معهم جذريًا؟ حين يُكافأ الصوت الأعلى أو الأكثر عنفًا، ويُعاقَب الصوت المطالب بالحقوق، فإننا لا نكون أمام خلل عابر، بل أمام إعادة تشكيل خطيرة لقواعد المجال العام.
ورغم كل ذلك، فإن اختزال ما حدث في إطار التخوين، أو ربطه بجهات بعينها، يتجاهل جوهر المطالب المطروحة. فهذه المطالب ليست طارئة، بل تعكس تراكمًا سياسيًا ومعيشيًا عميقًا: من ضرورة تفعيل مسارات العدالة والمحاسبة، إلى وقف إعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة، وصولًا إلى تحسين شروط الحياة اليومية وضمان الحقوق الأساسية.
وحتى لو وُجدت أطراف تحاول استثمار هذا الحراك أو توجيهه، فإن ذلك لا يلغي حقيقته، ولا ينفي أنه يعبّر عن شريحة واسعة من السوريين. المشكلة ليست في المطالب، بل في التعامل معها: هل تُواجَه بالتشويه والتخوين، أم تُفهم كمدخل لمعالجة أزمات بنيوية طال أمدها؟
في المحصلة، نحن أمام مشهد مزدوج: شارع يرفع مطالب تمسّ جوهر الكرامة والعدالة، وشارع آخر يعمل على نزع الشرعية عنه. وبينهما تقف الدولة أمام اختبار فعلي: إما إدارة هذا التباين بعقلية الاستجابة والاحتواء، أو تركه يتفاقم عبر أدوات الإقصاء.
إن تحويل هذه اللحظة إلى فرصة للإصلاح يبدأ بالاعتراف بشرعية الاختلاف، لا إنكارها، وبالتعامل مع أسبابه، لا نتائجه فقط. وحده هذا المسار كفيل بكسر حلقة الانقسام، وإعادة توجيه النقاش نحو ما يجب أن يكون في صلبه: حقوق المواطنين، لا تصنيفهم.
أحمد سليمان
المصدر نشطاء الرأي
الرابط:
https://opl-now.org/2026/04/17/شارع-المطالب-أم-شارع-التخوينن/

المزيد من المواضيع
بين “أول برلمان لسوريا الحرة” وواقع التشكيل: أي تمثيل نتحدث عنه؟
سوريا بين خطابين: سلطة تبني وأخرى تهدم
بين سقف الشروط وحدود القوة: هل نحن أمام تسوية أم استراحة محارب؟