ليست المشكلة في أن تطلب الدولة ترخيصًا لمظاهرة أو اعتصام، فمعظم الدول تضع أطرًا قانونية لتنظيم التجمعات العامة حفاظًا على الأمن العام وضمانًا لحقوق جميع المواطنين. المشكلة تبدأ عندما يتحول التنظيم من وسيلة لحماية الحق في التظاهر إلى عبء قد يجعل ممارسته محفوفة بالمخاطر القانونية.
هنا يعود النقاش حول تنظيم المظاهرات والاعتصامات إلى الواجهة في سوريا، على خلفية التعليمات المتعلقة بالحصول على التراخيص والمسؤوليات المترتبة على الجهات المنظمة.
وبينما يبدو الهدف المعلن لهذه الإجراءات هو الحفاظ على النظام العام ومنع الفوضى، فإن بعض البنود تثير أسئلة قانونية وحقوقية لا يمكن تجاهلها.
أحد أبرز هذه الأسئلة يتعلق بمسؤولية الجهة المنظمة للمظاهرة أو الاعتصام. فمن حيث المبدأ، لا خلاف على أن المنظمين مطالبون بالتعاون مع السلطات المختصة، والإعلان الواضح عن أهداف الفعالية، والعمل على الحفاظ على سلميتها. لكن هل يمكن أن تمتد هذه المسؤولية إلى كل ما قد يحدث أثناء المظاهرة، بما في ذلك أفعال أفراد لا يخضعون لسلطة المنظمين أو توجيههم؟
في القانون الحديث، تقوم المسؤولية على أساس شخصي. فالفرد يُحاسب على ما فعله أو شارك فيه أو حرّض عليه، لا على أفعال الآخرين. ولهذا السبب يثير أي نص يوحي بتحميل المنظمين مسؤولية واسعة عن كل ما يقع أثناء الفعالية العامة تساؤلات مشروعة حول مدى انسجامه مع المبادئ القانونية الأساسية.
المشكلة لا تكمن في الجانب النظري فحسب، بل تظهر بصورة أوضح عند النظر إلى الواقع العملي. ففي العديد من الاعتصامات والتجمعات التي شهدتها الساحة السورية خلال الفترة الماضية، لم يقتصر المشهد على المشاركين في الاعتصام أنفسهم، بل ظهرت أحيانًا مجموعات تحمل موقفًا معاكسًا أو معارضًا، وحضرت إلى المكان ذاته للتعبير عن رأي مختلف أو للاعتراض على مطالب المحتجين. وفي حالات أخرى، جرى الحديث عن محاولات للتشويش على أهداف بعض الاعتصامات أو استفزاز المشاركين فيها، الأمر الذي أدى إلى مشادات كلامية وتوترات ميدانية.
في مثل هذه الظروف يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: إذا اندلع خلاف بين مجموعتين داخل المكان نفسه، أو إذا قام أفراد لا ينتمون إلى الجهة المنظمة بتصرفات استفزازية أو مخالفة للقانون، فمن يتحمل المسؤولية؟ وهل يمكن تحميل الجهة المنظمة تبعات أفعال أشخاص لا تملك سلطة فعلية عليهم؟
الأمر يزداد تعقيدًا عندما نتذكر أن المنظمين ليسوا جهازًا أمنيًا، ولا يملكون صلاحيات الضابطة العدلية، ولا يمتلكون الوسائل القانونية أو العملية لفرض الانضباط على جميع الموجودين في محيط الفعالية. فالحفاظ على الأمن العام هو في النهاية مسؤولية مؤسسات الدولة المختصة، وليس مسؤولية مواطنين قرروا ممارسة حقهم في تنظيم تجمع سلمي مرخص.
كما أن بعض الاعتصامات شهدت انتقادات أو اتهامات وجهت إلى الجهات الأمنية بعدم التدخل السريع أو الكافي لمنع احتكاكات وقعت بين أطراف مختلفة. وبغض النظر عن دقة هذه الاتهامات من عدمها في كل حالة على حدة، فإن مجرد وجود مثل هذه النقاشات يوضح حجم الإشكالية. فإذا كانت الجهة المخولة قانونًا بحفظ الأمن قد تواجه صعوبات في السيطرة على المشهد الميداني المعقد، فكيف يمكن مطالبة الجهة المنظمة بضمان عدم وقوع أي تجاوز أو خطأ بشكل مطلق؟
من هنا يصبح من الضروري التمييز بين نوعين من المسؤولية. الأول هو مسؤولية المنظمين عن الالتزام بالإجراءات القانونية والتعاون مع السلطات والدعوة إلى السلمية وعدم التحريض على العنف أو الكراهية. أما الثاني فهو تحميلهم مسؤولية كل ما قد يصدر عن أي شخص موجود في موقع المظاهرة، وهو أمر مختلف تمامًا ويصعب تبريره قانونيًا أو عمليًا.
إن الهدف من تنظيم المظاهرات يجب أن يكون حماية الحق في التجمع السلمي، لا خلق مناخ من الخوف يدفع المواطنين إلى تجنب استخدام هذا الحق. فكلما ازدادت المسؤوليات غير المحددة أو غير القابلة للتطبيق عمليًا، ازدادت احتمالات إحجام الأفراد والمجموعات عن تنظيم فعاليات عامة، ليس بسبب رفضهم للقانون، بل بسبب خشيتهم من تحمل تبعات أحداث لا يملكون السيطرة عليها.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن الفوضى أو التقليل من أهمية الأمن العام. على العكس، فإن حماية الأمن والاستقرار هدف مشروع وضروري لأي دولة. لكن التجارب القانونية الحديثة أثبتت أن الأمن لا يتحقق من خلال توسيع المسؤولية إلى حدود غير واضحة، بل من خلال توزيعها بصورة عادلة بين الأفراد والجهات المختصة، وربطها بالفعل المرتكب والمسؤول المباشر عنه.
إن نجاح أي إطار قانوني لتنظيم المظاهرات لا يقاس بعدد القيود التي يفرضها، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق المواطنين. وهذا التوازن يقتضي أن تكون المسؤوليات محددة وواضحة وقابلة للتطبيق، وأن يبقى الحق في التجمع السلمي حقًا يمكن ممارسته بأمان، لا مخاطرة قانونية يتردد المواطن في الاقتراب منها. ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على تنظيم الفضاء العام فقط، بل أيضًا بقدرتها على حماية حق مواطنيها في التعبير السلمي عن آرائهم ضمن إطار القانون.
أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
قانون وكرامة أم تخوين ووصاية؟ مطالب مدنية… وردود رافضة
بخيبة أملٍ من النتائج… لا ندمًا على أسباب الثورة
تم الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي… جريمة تعود إلى الواجهة