16 يونيو, 2026

بين النقد والتخوين: من يملك حق توزيع الوطنية؟ وأين دور النخب المثقفة؟

أصبح من المألوف أن يكتب أحدهم رأياً في قضية عامة، فيجد من لا يناقش الفكرة بل يبحث أولاً عن هويته السياسية أو الطائفية أو المناطقية. وإذا لم تعجبه النتيجة، تتحول الفكرة إلى تهمة، وصاحبها إلى خائن أو عميل.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على السوريين وحدهم، بل تمتد أحياناً إلى كتاب وصحفيين وباحثين من بلدان عربية وأجنبية. فبدلاً من مناقشة ما يطرحونه من أفكار أو تحليلات، يُسارع البعض إلى تصنيفهم سياسياً ووضعهم في خانات جاهزة، فيُتهمون بالانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، أو يُقدَّمون بوصفهم حلفاء لقوى معينة أو متعاطفين مع بقايا الحقبة السابقة، لمجرد أنهم قدموا قراءة مختلفة أو طرحوا أسئلة لا تنسجم مع السرديات السائدة.

ويعكس هذا المشهد عمق الأزمة التي يعيشها النقاش العام في سوريا اليوم، حيث يُستبدل الحوار بالتخوين، ويُستبدل النقاش بالاتهام. والمفارقة أن هذا السلوك لا يصدر من جهة واحدة، بل يكاد يتحول إلى ظاهرة عابرة للبيئات السياسية المختلفة. فانتقاد خطاب متشدد يُعدّ لدى البعض استهدافاً للهوية، ومناقشة قرار حكومي تتحول لدى آخرين إلى محاكمة للنوايا، أما إثارة قضايا العدالة الانتقالية والفساد والحريات العامة فتستدعي لدى البعض أسرع التهم الجاهزة.

وفي مثل هذا المناخ، يصبح السؤال عن مستقبل النقاش العام في سوريا أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ويصبح من الضروري التوقف عند ظاهرة التخوين بوصفها واحدة من أبرز العقبات أمام بناء حياة سياسية سليمة بعد عقود من الاستبداد.

1. من يحتكر الوطنية؟

هنا يبرز السؤال الجوهري: من منح أي جهة حق احتكار الوطنية؟

فالوطنية ليست بطاقة عضوية في حزب، ولا شهادة يمنحها تيار سياسي لأنصاره ويحجبها عن خصومه. وليست مرتبطة بالتصفيق للسلطة أو للمعارضة، ولا بالصمت عن الأخطاء أو تبريرها.

الوطنية، في معناها الأوسع، هي منظومة قيم تقوم على الحرص على مصلحة البلاد، والدفاع عن حقوق المواطنين، والسعي إلى بناء دولة عادلة تحترم القانون وتصون كرامة الإنسان.

لكن أخطر ما أفرزته سنوات الصراع أن جزءاً كبيراً من النقاش العام بات يدور حول الأشخاص لا الأفكار. فبدلاً من السؤال: هل هذا الرأي صحيح؟ أصبح السؤال: من قاله؟ وإلى أي معسكر ينتمي؟ وكأن قيمة الفكرة تُقاس بهوية صاحبها لا بمدى صحتها ومنطقيتها.

2. أثر التخوين على المجال العام

هذا النمط من التفكير لا ينتج حواراً صحياً، بل يعمّق الانقسامات ويمنع أي مراجعة جدية للأخطاء. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تسمح بالنقد والمساءلة وتعدد الآراء، لا تلك التي تفرض رواية واحدة أو رأياً واحداً.

والمشكلة لا تكمن فقط في المنع المباشر، بل في خلق بيئة يخشى فيها الناس التعبير عن آرائهم. فعندما يصبح السؤال جريمة، والملاحظة تهمة، والنقد خيانة، يفقد المجال العام وظيفته الأساسية: تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.

إن أخطر ما يواجه حرية التعبير ليس الرقابة المباشرة وحدها، بل ترسيخ مناخ يدفع الأفراد إلى ممارسة رقابة ذاتية على أنفسهم خوفاً من التشهير أو الإقصاء أو الاتهامات الجاهزة. وعندما يصبح المواطن مضطراً إلى التفكير مراراً قبل التعبير عن رأيه، فإن الخلل لا يكون في الرأي نفسه، بل في البيئة التي لم تعد قادرة على استيعاب الاختلاف.

2. هل يتحول النقد إلى تهمة جنائية؟

لا تتوقف آثار التخوين عند حدود السجال اللفظي أو الحملات الإعلامية، بل تمتد أحياناً إلى ممارسات تُثير مخاوف تتعلق بحرية التعبير وضمانات العدالة. وخلال الفترات الأخيرة تكررت شكاوى من استخدام دعاوى أو إجراءات قانونية بصورة يُنظر إليها في بعض الحالات على أنها وسيلة للضغط على أصحاب الآراء الناقدة أو لإرهاقهم قضائياً.

وسواء كانت هذه المخاوف مبررة في كل حالة أم لا، فإن مجرد انتشار الشعور بأن التعبير عن الرأي قد يجرّ على صاحبه تبعات تتجاوز حدود النقاش الطبيعي يترك أثراً سلبياً على المجال العام. فالمواطن الذي يخشى العواقب المحتملة لكلمة أو مقال قد يفضّل الصمت على المشاركة، وهو ما يضعف النقاش الحر ويحدّ من قدرة المجتمع على مراجعة أخطائه.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما يُطلب من الناس تجاهل هذه المخاوف أو الامتناع عن مناقشتها بحجة الحفاظ على الاستقرار أو تجنب التوتر. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على إسكات الأسئلة، بل على وجود مؤسسات قانونية مستقلة وإجراءات عادلة وضمانات تكفل حق الأفراد في التعبير دون خوف أو تمييز.

كما أن القيم الأخلاقية والدينية في جوهرها ترتبط بالعدالة والإنصاف وصون الكرامة الإنسانية، ولا ينبغي أن تتحول إلى أدوات لتبرير الحد من النقاش المشروع حول القضايا العامة.

3. أين غاب الصوت النقدي؟

أكثر ما يثير التساؤل في المشهد السوري الراهن ليس ارتفاع الأصوات المتطرفة فحسب، بل تراجع حضور جزء من النخب الثقافية والفكرية التي عُرفت تاريخياً بدورها النقدي في مواجهة الاستبداد. وفي المساحة التي خلّفها هذا التراجع، برزت خطابات سياسية قائمة على الاتهام المتبادل والصراع الدائم، تتوسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتجد من يعيد تدويرها ونشرها على نطاق واسع.

وبين الحملات المنظمة أحياناً، وردود الفعل الحامية أحياناً أخرى، يغدو المشهد شديد التشابك، بحيث تتراجع الأولوية للنقاش العقلاني لصالح الاستقطاب والتعبئة. وعوضاً عن المساهمة في بناء وعي عام أكثر نضجاً، تتحول بعض هذه الممارسات إلى عامل إضافي في تشتيت المجتمع وإضعاف قدرته على إنتاج حوار وطني متماسك.

ولفهم هذه الظاهرة، لا بد من التوقف عند الدور الذي لعبته النخب الثقافية والحقوقية في مراحل سابقة من الحياة العامة السورية. فقد لعب المثقفون والحقوقيون وأصحاب الرأي دوراً مهماً في كشف الانتهاكات، والدفاع عن الحريات العامة، والمطالبة بالإصلاح السياسي. أما اليوم، فيبدو حضور بعض هذه الأصوات أقل وضوحاً في النقاشات المتعلقة بالتحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه البلاد.

وقد تكون أسباب هذا التراجع متعددة؛ فمنها الإرهاق الذي خلفته سنوات الصراع الطويلة، ومنها الخشية من تعميق الانقسامات القائمة، ومنها الاعتقاد بأن الأولوية ينبغي أن تُمنح للاستقرار على حساب النقد. كما لا يمكن تجاهل التحولات التي أصابت المجال العام نفسه، حيث تراجع تأثير المؤسسات الثقافية التقليدية لصالح فضاءات رقمية سريعة الإيقاع يغلب عليها أحياناً الصخب أكثر من العمق.

وفي مثل هذه البيئات، يصبح المثقف أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على استقلاليته الفكرية من جهة، وعدم الانسحاب من النقاش العام من جهة أخرى.

ومهما تكن الأسباب، فإن المجتمعات الخارجة من الاستبداد تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات مستقلة وقادرة على المراجعة والمساءلة. فالصمت لا يبني مؤسسات، كما أن التغاضي عن الأخطاء لا يصنع تحولاً ديمقراطياً مستداماً. والنقد المسؤول لا يمثل تهديداً للاستقرار، بل يشكل أحد شروطه الأساسية.

فالمثقف الذي واجه الاستبداد بالأمس لا يفقد أهمية دوره بعد سقوطه، بل تزداد الحاجة إليه في المراحل الانتقالية، حيث تختلط الآمال بالمخاوف وتتزاحم المشاريع السياسية، ويصبح المجتمع بأمسّ الحاجة إلى أصوات عقلانية تدافع عن الحرية والعدالة وسيادة القانون بمعايير ثابتة لا تتبدل بتبدل موازين القوة.

4. المواطنة أم الاصطفاف؟

ما يزيد خطورة التخوين أنه يترافق مع محاولات مستمرة لتقديم الاصطفافات الضيقة على حساب مفهوم المواطنة.

فبدلاً من الاحتكام إلى القانون والمؤسسات، يجري أحياناً الاحتكام إلى العصبيات السياسية أو المناطقية أو الدينية أو الطائفية. وبدلاً من مناقشة السياسات والبرامج، يجري استدعاء الهويات والانتماءات باعتبارها معياراً للحكم على الأشخاص ومواقفهم.

وهذا يعيد إنتاج الثقافة ذاتها التي قامت عليها أنظمة الاستبداد، وإن بأسماء وشعارات جديدة. فالدولة الحديثة لا تُبنى على الولاءات الضيقة، بل على مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

5. من التخوين إلى الحوار

إن بناء دولة حديثة لا يبدأ من فرض الإجماع، بل من الاعتراف بالتنوع. ولا يبدأ من إسكات الأصوات الناقدة، بل من الاستماع إليها. كما أن مواجهة الأخطاء لا تكون بالتشهير بمن يكشفها، بل بمعالجتها ومحاسبة المسؤولين عنها.

فالاختلاف ليس خطراً على الأوطان، بل جزء من حيويتها. أما الخطر الحقيقي فيكمن في الاعتقاد بأن الحقيقة يحتكرها طرف واحد، وأن الوطنية حكر على جماعة دون غيرها، وأن النقد جريمة تستوجب العقاب.

السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً ليس: من يملك حق توزيع الوطنية؟ بل كيف يمكن بناء فضاء عام يسمح للسوريين بالاختلاف بحرية، والتعبير بأمان، والمشاركة في رسم مستقبل بلادهم دون خوف من التخوين أو الإقصاء؟

إن سوريا الخارجة من واحدة من أقسى التجارب في تاريخها الحديث لا تحتاج إلى أوصياء على الوطنية، بقدر حاجتها إلى مواطنين أحرار، ومؤسسات قوية، ونخب فكرية تستعيد دورها النقدي المستقل.

لقد كان غياب النقد الحر أحد أسباب الكوارث التي عاشتها البلاد لعقود، ولن يكون من الحكمة تكرار التجربة ذاتها تحت عناوين مختلفة. فالديمقراطية تبدأ من الاعتراف بالآخر لا من نفيه، والحرية التي لا تحمي النقد ليست حرية، والوطنية التي تخشى الحوار ليست وطنية، والدولة التي تُبنى على الخوف من الرأي المختلف ليست دولة قابلة للحياة.

أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي

المنشورات

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب