26 يونيو, 2026

تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظورات النشر في سوريا

المشكلة ليست في وجود محظورات للنشر، بل في غموض بعض مفاهيمها. فهل يُعد كشف الفساد أو نشر معلومات صحيحة ذات مصلحة عامة جريمة، أم ممارسةً مشروعة لدور الصحافة؟ وحدها النصوص الواضحة والتفسير القضائي المستقل يقدمان الإجابة.

المشكلة ليست في وجود محظورات للنشر، بل في غموض بعض مفاهيمها. فهل يُعد كشف الفساد أو نشر معلومات صحيحة ذات مصلحة عامة جريمة، أم ممارسةً مشروعة لدور الصحافة؟ وحدها النصوص الواضحة والتفسير القضائي المستقل يقدمان الإجابة.

لا تُبنى الثقة بين الدولة والمجتمع بالنوايا المعلنة، بل بالنصوص القانونية التي تحدد ما يجوز وما لا يجوز. وفي الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، لا تُنظم قوانين الإعلام عمل الصحافة فحسب، بل ترسم أيضاً حدود الحرية وحدود سلطة الدولة، وتحدد ما إذا كان المجال العام يتجه نحو مزيد من الانفتاح، أم نحو إعادة إنتاج القيود بصيغ قانونية جديدة.

وفي الحالة السورية، يكتسب هذا النقاش أهمية مضاعفة. فبعد عقود من الرقابة الأمنية وتقييد حرية التعبير، يصبح من الطبيعي أن يُنظر إلى أي تشريع ينظم النشر بوصفه اختباراً لمدى الالتزام ببناء دولة القانون، لا مجرد أداة لتنظيم العمل الإعلامي.

ومن هذا المنطلق، يكتسب التعميم الأخير بشأن محظورات النشر أهمية تتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً؛ فهو يمثل اختباراً لقدرة الدولة على تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين حماية الأمن والمصلحة العامة من جهة، وصون حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة من جهة أخرى.

ولا خلاف على أن أي دولة حديثة تحتاج إلى إطار قانوني ينظم العمل الإعلامي ويحمي الحقوق الفردية والعامة. فحرية التعبير ليست حقاً مطلقاً في أي نظام ديمقراطي، كما أن تنظيمها لا يعني بالضرورة تقييدها. غير أن التجربة القانونية في مختلف الدول تؤكد أن نجاح أي تنظيم لا يقاس بعدد المحظورات، وإنما بوضوح النصوص، ودقة تعريفاتها، واستقلال الجهة التي تفسرها وتطبقها.

وعند قراءة التعميم، يتبين أن عدداً من محظورات النشر ينسجم، من حيث المبدأ، مع ما تأخذ به معظم التشريعات الحديثة، مثل حماية الأسرار العسكرية والأمنية، وصون الحياة الخاصة، ومنع التحريض المباشر على العنف، والتصدي للتشهير وخطاب الكراهية.

لكن في المقابل، تثير بعض العبارات تساؤلات قانونية تتعلق بطريقة الصياغة، إذ جاءت بعض المصطلحات واسعة وقابلة لأكثر من تفسير، مثل “الإضرار بالسلم الأهلي”، و”الإضرار بالاقتصاد الوطني”، و”الأخبار الكاذبة”، و”الآداب العامة”. وهذه المفاهيم من أكثر المصطلحات القانونية حساسية، لأن حدودها تتوقف على كيفية تفسيرها وتطبيقها.

فعلى سبيل المثال، هل يُعد كشف قضية فساد تمس مؤسسة عامة إضراراً بسمعة الدولة أم خدمةً للمصلحة العامة؟ وهل يُعد نشر معلومات اقتصادية صحيحة لكنها مقلقة للرأي العام إضراراً بالاقتصاد الوطني أم ممارسةً للدور الرقابي للصحافة؟ وهل كل معلومة غير دقيقة تُعد خبراً كاذباً، أم أن الوصف يقتصر على التضليل المتعمد؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تستند إلى معايير قانونية واضحة، لا إلى تقديرات شخصية أو إدارية.

وتبرز أهمية هذا الوضوح بصورة أكبر عند إسقاط النصوص على الواقع العملي. فإذا بقيت هذه المفاهيم من دون تعريفات دقيقة، فقد يخشى الصحفيون والباحثون والناشطون من أن يؤدي تناول ملفات تتعلق بمزاعم الفساد، أو انتقاد شخصيات عامة، أو مناقشة أداء مسؤولين حاليين أو سابقين، أو نشر وثائق ومعلومات ذات مصلحة عامة، إلى التعرض للمساءلة القانونية، حتى عندما يستند النشر إلى وقائع أو أدلة قابلة للتحقق.

وفي المقابل، فإن أي تطبيق غير متسق للقانون قد يثير مخاوف من ملاحقة بعض أشكال النقد المشروع، بينما تُترك أشكال أخرى من الخطاب، بما في ذلك تبرير انتهاكات الماضي أو تمجيدها، خارج نطاق المساءلة. إن بناء الثقة في القانون لا يتحقق بوجود النصوص وحدها، وإنما بضمان تطبيقها على الجميع وفق معايير واحدة، بعيداً عن الانتقائية أو الازدواجية.

وتبرز هنا قضية لا تقل أهمية عن نص التعميم نفسه، وهي آلية التطبيق والجهة المخولة بتفسيره. فكل نص قانوني، مهما بلغت دقته، قد يتحول إلى أداة لتقييد الحريات إذا فُسر بصورة فضفاضة، كما قد يصبح وسيلة لحماية المجتمع إذا طُبق وفق معايير موضوعية وتحت رقابة قضائية مستقلة.

ولهذا، فإن الضمانة الحقيقية لا تكمن في صياغة المحظورات وحدها، وإنما في وجود تعريفات قانونية دقيقة، وإجراءات واضحة تكفل حق الاعتراض والطعن، ورقابة قضائية مستقلة، بما يضمن حماية الصحفي والمؤسسة الإعلامية عند ممارسة النقد المشروع أو نشر المعلومات ذات المصلحة العامة.

كما أن من الضروري التمييز بين النقد السياسي والتحريض، وبين الرأي والخبر، وبين الخطأ المهني غير المقصود والتضليل المتعمد. فالإعلام لا يؤدي وظيفته إذا أصبح يخشى مساءلة غير محددة المعايير، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يكون بمنأى عن المسؤولية عندما ينشر معلومات كاذبة عن قصد أو يحرض على العنف أو الكراهية.

لقد نجحت الدول التي طورت بيئة إعلامية مستقرة في إسناد نصوصها القانونية إلى تعريفات دقيقة، وسوابق قضائية مستقرة، وهيئات مستقلة للفصل في النزاعات، بما يحقق التوازن بين حرية الصحافة وحماية المجتمع.

وتنسجم هذه الحاجة مع المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تشترط أن تكون القيود على حرية التعبير منصوصاً عليها في قانون واضح ودقيق، وأن تحقق هدفاً مشروعاً، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع الغاية التي تسعى إليها. ومن ثم، فإن إصدار لوائح تفسيرية أو أدلة تنفيذية توضح المقصود بالمصطلحات الواردة في التعميم، وتبين آلية تطبيقها والجهة المختصة بتفسيرها، من شأنه أن يعزز الثقة في التنظيم ويحد من احتمالات إساءة استخدامه.

التنظيم لا يكتمل إلا بالضمانات

في النهاية، لا يُقاس هذا التعميم بعناوينه العامة، بل بكيفية تفسيره وتطبيقه على أرض الواقع. فإذا كان الهدف هو تنظيم المشهد الإعلامي وتعزيز المهنية وحماية الحقوق، فإن ذلك يقتضي أن تكون المحظورات محددة بدقة، وأن تُطبق وفق القانون، لا وفق الاجتهادات أو الاعتبارات السياسية.

فالإعلام المسؤول يحتاج إلى إطار قانوني واضح، كما تحتاج الدولة إلى إعلام حر وقادر على الرقابة وكشف الفساد والمساهمة في بناء الثقة العامة. ولا يتحقق هذا التوازن إلا عندما تصبح القواعد القانونية مفهومة للجميع، وتكون الجهة التي تفسرها مستقلة، ويطمئن الصحفي إلى أن مساءلته ستستند إلى القانون وحده، لا إلى تقديرات متغيرة أو تفسيرات واسعة للنصوص.

إن تنظيم الإعلام لا يتعارض مع حرية التعبير، بل إن كليهما يشكل ركناً من أركان الدولة الحديثة عندما يقومان على سيادة القانون. فكلما كانت النصوص أكثر وضوحاً، والضمانات القضائية أكثر استقلالاً، ازدادت ثقة المجتمع بالإعلام وبالدولة معاً. أما الغموض في الصياغة أو التوسع في التفسير، فلا يضر بحرية الصحافة وحدها، بل قد يضعف أيضاً الهدف الذي وُضع التعميم من أجله، وهو بناء بيئة إعلامية مهنية ومسؤولة تحمي المجتمع وتحترم الحقوق في آن واحد.

أحمد سليمان 

المصدر : نشطاء الرأي

https://opl-now.org/ 

المنشورات

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب