12 سبتمبر, 2026

ضرورة محاسبة أصحاب الخطاب المتشدد ومن يساندهم داخل مؤسسات الدولة

سقط نظام بشار الأسد، وانتهت حقبة طويلة من الاستبداد السياسي والأمني الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن، تاركاً وراءه مجتمعاً مثقلاً بالخوف والقمع والانقسامات والجراح. لكن سقوط النظام لا يعني أن كل ما يأتي بعده سيكون بالضرورة نقيضاً له، كما أن التخلص من الاستبداد القديم لا يعفي السلطة الجديدة من مسؤولية أخطائها، ولا يمنحها حصانة من النقد.

المشكلة في المراحل الانتقالية أن بعض القائمين على إدارة الحاضر قد يتعاملون مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية أو مساحة مفتوحة للتجريب، فيما يحتاج المجتمع، في المقابل، إلى مؤسسات أكثر انضباطاً ووضوحاً، وإلى خطاب رسمي يطمئن السوريين بدلاً من أن يزيد مخاوفهم.

وهنا تحديداً ينبغي التوقف عند ما يجري في المجال الثقافي والعام.

فالقضية ليست حفلاً غنائياً هنا، ولا فنانة هناك، ولا خلافاً بين شاعر ومسؤول ثقافي. القضية الأوسع هي: من يحدد شكل المجال العام في سوريا الجديدة؟ وعلى أي أساس؟ وهل الدولة دولة مواطنين متساوين، أم أنها يمكن أن تتحول تدريجياً إلى مساحة تفرض فيها قناعات فئة أو تيار ديني أو اجتماعي معين نفسها على الجميع؟

هذا السؤال لم يعد افتراضياً.

خلال المرحلة الماضية، ظهرت سجالات حول الموسيقى والغناء والحفلات، وبرزت مواقف دينية تصف بعض الأنشطة الفنية بأنها محرمة أو آثمة. وفي المقابل، شهدت وزارة الثقافة نفسها نشاطاً ثقافياً وفنياً واسعاً، كما أن المسؤولين فيها يعلنون أن الهدف هو إعادة إحياء الحركة الثقافية في سوريا. وقد تحدثت الوزارة عن إعادة تنشيط مئات المراكز الثقافية، وعن دور الفن والكلمة في بناء الحياة الثقافية الجديدة.

لكن التناقض يصبح مقلقاً عندما يجد المجتمع، في الوقت نفسه، خطاباً رسمياً أو شبه رسمي يبعث برسائل مختلفة حول الفن والموسيقى والحفلات.

عندما تنتقل القناعة الخاصة إلى المجال العام:

من حق أي إنسان أن يرى الموسيقى حلالاً أو حراماً بالنسبة إليه، وأن يختار لنفسه ما يسمع وما يشاهد، وأن يمتنع عن حضور الحفلات أو المشاركة فيها.

هذه حرية شخصية.

لكن الحرية الشخصية تنتهي عندما تتحول القناعة الخاصة إلى محاولة لفرض معيارها على المجتمع كله.

وهنا تكمن المسألة الجوهرية.

فالدولة ليست هيئة إفتاء، والوزارة الثقافية ليست مجلساً للرقابة الأخلاقية على أذواق المواطنين، والمسؤول الثقافي ليس شيخاً مكلفاً بتحديد ما ينبغي أن يسمعه السوريون وما لا ينبغي لهم أن يسمعوه.

الدولة الحديثة لا تسأل المواطن أولاً عن مذهبه أو تفسيره الديني أو قناعاته الشخصية حتى تمنحه حق الاستماع إلى الموسيقى أو حضور حفلة أو ممارسة الفن.

السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الدولة أبسط من ذلك بكثير: هل النشاط قانوني؟ هل يحترم حقوق الآخرين؟ هل يستوفي شروط السلامة والتنظيم؟ وهل يخالف قانوناً نافذاً؟

إذا كانت الإجابة لا، فلا يحق لمسؤول أن يحوله إلى قضية دينية أو أخلاقية لمجرد أنه لا ينسجم مع قناعاته الشخصية.

سوريا ليست مجتمعاً واحداً في العادات والتقاليد:

تكرار عبارة «عادات المجتمع السوري وتقاليده» في مثل هذه النقاشات يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.

أي مجتمع سوري نقصد؟

سوريا ليست كتلة اجتماعية واحدة، ولا تتحدث بصوت واحد، ولا تمتلك تفسيراً واحداً للدين، ولا نمطاً واحداً للحياة، ولا ثقافة فنية موحدة.

في سوريا من يستمع إلى الموسيقى ومن لا يستمع إليها. ومن يحضر الحفلات ومن يرفضها. ومن يرى في الغناء فناً أصيلاً من تراث البلاد، ومن يبتعد عنه لأسباب دينية أو شخصية.

كل هؤلاء سوريون.

وليس من حق فريق أن ينتزع من تنوع المجتمع عبارة عامة باسم «المجتمع السوري» ثم يجعلها غطاءً لفرض اختياراته على الآخرين.

بل إن التاريخ الثقافي السوري نفسه يكذب فكرة أن الموسيقى والغناء ظاهرتان طارئتان على المجتمع. سوريا أنتجت أجيالاً من الشعراء والموسيقيين والمطربين والفنانين، واحتضنت مدارس موسيقية وفنية متنوعة، وكانت الأغنية والمسرح والسينما والشعر جزءاً من الحياة العامة السورية.

ومن يريد بناء سوريا جديدة لا يستطيع أن يبدأ مشروعه الثقافي بمحاولة تضييق المجال الذي صنع جزءاً أساسياً من الذاكرة السورية.

المشكلة في تحويل الدين إلى سلطة على الآخرين:

من الضروري هنا أن يكون الموقف واضحاً حتى لا يجري تحريف النقاش.

هذه ليست معركة ضد الدين، ولا ضد المتدينين، ولا ضد حق أي إنسان في التعبير عن رأيه الديني.

المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة الدينية الخاصة إلى معيار إلزامي للمجتمع كله، أو عندما يستخدم صاحبها موقعاً رسمياً لكي يمنح قناعته قوة الدولة.

هناك فرق هائل بين أن يقول مواطن: «أنا لا أستمع إلى الموسيقى لأنها لا تتفق مع قناعتي»، وبين أن يقول مسؤول: «الموسيقى محرمة، ولذلك ينبغي منع الآخرين من الاستماع إليها».

الأول يمارس حريته.

أما الثاني فيمارس وصاية على حريات الآخرين.

وهذا الفارق يجب أن يكون واضحاً لدى كل من يتولى منصباً عاماً، ولا سيما في وزارة الثقافة.

دور المسؤول الثقافي مختلف:

قد يكون للشاعر أو الكاتب أو الفنان رأي ديني أو سياسي أو اجتماعي خاص به، وهذا حقه الكامل. لكن عندما ينتقل إلى موقع رسمي، تتغير طبيعة المسؤولية.

فالمسؤول الثقافي لا يمثل نفسه فقط عندما يتحدث من موقعه الوظيفي، بل إن كلامه ومواقفه يمكن أن تُفهم باعتبارها مؤشراً على اتجاه المؤسسة التي يمثلها. ولهذا فإن من يتولى إدارة مديريات الثقافة والمراكز الثقافية ينبغي أن يكون قادراً على التعامل مع المجتمع السوري بكل تنوعه، لا أن يتصرف باعتباره ممثلاً لتيار فكري أو ديني بعينه.

وفي هذا السياق، ظهر اسم الشاعر أنس الدغيم بوصفه داعماً لبيان أصدره سلفي مصري يعيش في سوريا، ويمارس أنشطة علنية، ويصدر مواقف دينية في قضايا تمس الحياة العامة والثقافية في سوريا، بما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول حدود الدور الذي يمنحه لنفسه في المجال العام. ومن أحدث مواقفه دعوته إلى وقف أي نشاط يتضمن «عزفاً ومغنى لأنه حرام وإثم».

وهنا لا تعود المسألة مجرد رأي شخصي لشخص يملك قناعة دينية معينة، بل تصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما يأتي هذا الدعم من مسؤول يتولى موقعاً رسمياً في المؤسسة الثقافية السورية.

وقد ظهر هذا الموقف بوضوح في الجدل الذي رافق إقامة حفل للفنانة أصالة نصري، حيث كان أنس الدغيم، بوصفه مسؤولاً عن مديريات الثقافة والمراكز الثقافية، من أبرز الأصوات المعارضة للحفل والمنحازة إلى خطاب ديني يرى في العزف والغناء مخالفة دينية، بل ويحاول ربط هذا الموقف بما يسمى «عادات المجتمع السوري وتقاليده».

وهنا يبرز سؤال بسيط: ماذا يفعل شاعر، كما يقدّم نفسه، في موقع مسؤول عن الثقافة والفنون، إذا كان ينظر إلى الموسيقى والحفلات من هذا المنظور؟

والأكثر إثارة للاستغراب أن يقدم نفسه شاعراً، ثم يسعى إلى أن تُغنّى نصوصه بأصوات الفنانات، تماماً كما يفعل وزير الثقافة محمد الصالح. فهل تنتهي حرمة الموسيقى عندما يكون الشاعر هو صاحب النص؟ أم أن المعايير تتغير عندما يتعلق الأمر بشعره ومصلحته الفنية؟

المشكلة هنا ليست في أن يكون للشاعر أو الكاتب موقف ديني خاص من الموسيقى والغناء؛ فهذا حقه الشخصي والفكري. المشكلة تبدأ عندما ينتقل هذا الموقف إلى موقع المسؤولية الثقافية الرسمية، فيصبح المطلوب من المسؤول أن يفرض على المجال الثقافي ما يراه هو حلالاً أو حراماً.

فالمسؤول الثقافي ليس رجل دين، والمؤسسة الثقافية ليست هيئة للإفتاء. ودورها ليس تحديد ما ينبغي للسوريين أن يسمعوه أو يشاهدوه وفقاً لقناعة دينية واحدة، وإنما إدارة المجال الثقافي العام بما يحفظ حق الجميع في التعبير والإبداع، ويحترم تنوع المجتمع السوري وتعدد رؤاه ومعتقداته واتجاهاته الفنية والفكرية.

وهذا هو الفارق بين حق المسؤول في أن تكون له قناعة شخصية، وحق المؤسسة الثقافية في أن تكون ملكاً لجميع السوريين.

أما إذا ثبت أن مسؤولاً يستخدم موقعه الرسمي لفرض قناعة دينية خاصة، أو للتضييق على نشاط ثقافي مشروع، أو لإقصاء فنانين وكتاب بسبب آرائهم أو اختياراتهم الشخصية، فهنا لا تعود القضية قضية رأي شخصي.

تصبح قضية إدارية وسياسية وحقوقية تستوجب المساءلة.

لا يجوز استبدال استبداد باستبداد آخر:

السوريون خرجوا من تجربة ثقيلة جداً مع الدولة التي تدخلت في تفاصيل حياتهم، وفرضت عليهم ما ينبغي أن يقولوه وما ينبغي أن يصمتوا عنه، ومن يحق له الظهور ومن يجب أن يختفي.

ولهذا فإن بناء الدولة الجديدة يتطلب حساسية استثنائية تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج الوصاية، مهما كان مصدرها.

لا يمكن أن نقول للسوريين إن زمن الوصاية انتهى، ثم نبدأ بتوزيع وصايا جديدة عليهم باسم الدين أو الأخلاق أو العادات أو الوطنية.

الاستبداد لا يصبح مقبولاً لأن لغته تغيرت.

والإقصاء لا يصبح عدالة لأنه يُمارس ضد أشخاص كانوا قريبين من النظام السابق.

والرقابة على المجتمع لا تصبح حرية لأنها تأتي من جهة دينية أو ثقافية جديدة.

المعيار يجب أن يكون واحداً: القانون، والحقوق، والمواطنة.

كما يجب الحذر من استغلال هذه الأخطاء لإعادة إنتاج خطاب النظام السابق:

في المقابل، ينبغي ألا نقع في الخطأ الآخر.

هناك من يحاول استغلال أي خطاب متشدد أو أي خطأ حكومي لكي يقدم نفسه باعتباره البديل الوحيد، أو لكي يعيد تدوير خطاب النظام السابق، وكأن الاختيار أمام السوريين محصور بين الاستبداد القديم والتشدد الجديد.

وهذا غير صحيح.

السوريون ليسوا مضطرين إلى الاختيار بينهما.

يمكن رفض نظام الأسد ورفض بقاياه وشبكات نفوذه، وفي الوقت نفسه رفض أي محاولة لفرض وصاية دينية أو أيديولوجية على المجتمع.

يمكن الدفاع عن العدالة الانتقالية من دون الدفاع عن الانتقام.

ويمكن رفض عودة رموز الاستبداد من دون تحويل الدولة الجديدة إلى دولة إقصاء.

ويمكن الدفاع عن الدين وحرية المتدينين من دون السماح بتحويل تفسير ديني معين إلى قانون اجتماعي مفروض على الجميع.

المطلوب هو الخروج من الثنائية التي أفسدت الحياة السورية طويلاً: إما معنا أو ضدنا.

المسؤولية لا تعني الاتهام الجماعي:

ومن المهم أيضاً ألا يتحول هذا النقاش إلى محكمة شعبية.

إذا كانت هناك معلومات عن أشخاص عملوا مع النظام السابق أو ارتبطوا بشبكات نفوذ قديمة، فالمطلوب هو التحقيق المهني، وتدقيق السجلات، وفحص الوقائع، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.

أما الاتهام الجماعي أو التشهير أو الانتقام السياسي، فهو ليس بديلاً عن العدالة.

الأمر نفسه ينطبق على المسؤولين الحاليين.

لا يجوز عزل شخص لأنه شاعر، ولا لأنه متدين، ولا لأنه يحمل رأياً سياسياً لا يعجبنا.

لكن يمكن، بل يجب، مساءلة أي مسؤول إذا ثبت أنه استغل منصبه ضد الحريات العامة، أو مارس التمييز، أو استخدم مؤسسة الدولة لخدمة قناعة خاصة، أو فشل في الالتزام بالقواعد القانونية والإدارية التي تحكم عمله.

وهنا يصبح العزل إجراءً مؤسساتياً، لا انتقاماً شخصياً.

الدولة تحتاج إلى خطاب واحد واضح:

المشكلة الأكبر التي ينبغي أن تنتبه إليها الحكومة السورية ليست فقط في تصرف هذا المسؤول أو ذاك، بل في الرسالة التي تصل إلى المجتمع من مجموع التصريحات والقرارات.

عندما تصدر مؤسسة ثقافية خطاباً يدعم الفن، ثم تظهر مواقف رسمية أو شبه رسمية تنظر إلى الموسيقى باعتبارها مشكلة أخلاقية، فإن المواطن لا يعرف أي سوريا يجري بناؤها.

وعندما تتحدث الدولة عن المواطنة، ثم يشعر بعض المواطنين أن انتماءهم الثقافي أو الديني أو الاجتماعي قد يصبح سبباً للريبة أو الإقصاء، فإن الثقة تتراجع.

وعندما تُلغى حفلات أو تُمنع أسماء فنية، ينبغي أن تكون الأسباب قانونية ومعلنة ومتسقة، لا أن تبدو القرارات وكأنها خاضعة لموجات الضغط الاجتماعي أو لمواقف شخصية.

الثقافة تحتاج إلى قواعد مستقرة، لا إلى ردود فعل.

المطلوب ليس فقط تغيير الأشخاص

سوريا لا تحتاج إلى استبدال اسم باسم، ثم استمرار العقلية نفسها.

المطلوب إصلاح طريقة إدارة المجال العام.

نحتاج إلى قواعد معلنة تحمي حرية التعبير والإبداع والموسيقى والمسرح والسينما والأدب، وتحدد في الوقت نفسه مسؤوليات المؤسسات العامة وحدود تدخلها.

نحتاج إلى مسؤولين يعرفون الفرق بين رأيهم الشخصي وبين صلاحياتهم الوظيفية.

نحتاج إلى وزارة ثقافة تنظر إلى الثقافة باعتبارها ملكاً للمجتمع كله، لا مجالاً لإعادة إنتاج رؤية فئة واحدة.

ونحتاج إلى إعلام رسمي لا يرسل رسائل متناقضة، وإلى مسؤولين يدركون أن كل كلمة تصدر عنهم يمكن أن يكون لها أثر يتجاوز شخصهم.

الأهم من ذلك كله أننا نحتاج إلى إخراج الدولة من منطق «من يملك الصوت الأعلى؟» إلى منطق «ماذا يقول القانون؟».

فالدولة لا تُدار بالصوت الأعلى، ولا بالأكثر تشدداً، ولا بالأكثر قدرة على التخويف.

الدولة تُدار بالمؤسسات.

ضبط الخطاب العام مسؤولية الحكومة:

لهذا فإن الحكومة السورية مطالبة اليوم بأن تكون أكثر وضوحاً وحزماً في ضبط الخطاب الصادر عن مسؤوليها، خصوصاً في القضايا التي تمس الحريات الشخصية والثقافة والفنون والحياة الاجتماعية.

ليس المطلوب إسكات المسؤولين أو منعهم من التعبير عن آرائهم الخاصة.

المطلوب أن يعرف كل مسؤول متى يتحدث كمواطن، ومتى يتحدث بصفته ممثلاً للدولة.

وهذا يتطلب مدونة سلوك واضحة للمسؤولين والموظفين العموميين، وآليات مساءلة فعلية، ومعايير شفافة للتعيين في المواقع الحساسة، ولا سيما المواقع المرتبطة بالثقافة والإعلام والتعليم والشؤون الاجتماعية.

كما أن من يثبت استخدامه موقعه الرسمي لفرض وصاية أيديولوجية أو دينية على المجتمع، أو التحريض على فئة من المواطنين، أو التضييق غير القانوني على الحريات العامة، ينبغي ألا يبقى في موقعه لمجرد أن عزله قد يسبب إحراجاً سياسياً.

المسؤول الذي يتحول إلى مصدر قلق وتشويش على المجتمع لا ينبغي أن يحظى بحماية المنصب.

وهنا تصبح العزلة الوظيفية، أو الإعفاء من المسؤولية، أو التحقيق الإداري، بحسب طبيعة المخالفة وثبوتها، جزءاً من حماية الدولة لنفسها وللمجتمع، وليس عقوبة سياسية.

سوريا تحتاج إلى طمأنة المجتمع لا إلى تخويفه:

السوري الذي عاش عقوداً من الخوف والقمع لا يحتاج اليوم إلى سلطة جديدة تخبره ماذا يسمع، وماذا يشاهد، وماذا يقرأ، وماذا يلبس، وكيف يعيش. ما يحتاجه هو دولة تقول له شيئاً مختلفاً تماماً: أنت مواطن، لك حقوق وعليك واجبات، والقانون يحميك كما يحمي غيرك. دولة لا تتعامل مع اختلاف الناس باعتباره خطراً ينبغي ضبطه، ولا مع خياراتهم الشخصية باعتبارها شأناً يحتاج إلى وصاية رسمية.

يمكن للسوري أن يكون متديناً أو غير متدين، محافظاً أو منفتحاً، محباً للموسيقى أو غير مهتم بها، شاعراً أو عاملاً أو طالباً أو فناناً. هذه الاختلافات ليست تهديداً للمجتمع، بل جزء من طبيعته وتنوعه. ولا ينبغي للدولة أن تتدخل في حياة الناس الخاصة أو خياراتهم الثقافية والشخصية، إلا عندما يكون هناك انتهاك واضح لحقوق الآخرين أو مخالفة للقانون.

هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الصراعات السياسية والثقافية. فالمعركة الحقيقية ليست بين الموسيقى والدين، ولا بين المتدينين والعلمانيين، ولا بين الثورة وخصومها. القضية الأعمق هي الصراع بين دولة المواطنة والقانون من جهة، ومنطق الوصاية والإكراه والإقصاء من جهة أخرى.

ومن الخطأ الاعتقاد أن سقوط الاستبداد وحده يكفي لبناء الدولة الجديدة. فالاستبداد ليس فقط أجهزة أمن وسجوناً ومعتقلات؛ إنه أيضاً عقلية سياسية واجتماعية ترى أن المجتمع يجب أن يطيع، وأن المسؤول يعرف مصلحة الناس أكثر منهم، وأن اختلاف المواطنين مشكلة ينبغي ضبطها، وأن الثقافة يجب أن تسير في اتجاه واحد.

وهذه العقلية يمكن أن تستمر حتى بعد سقوط النظام، إذا لم يتغير مفهوم الدولة نفسه. فقد تتغير الوجوه والأسماء، بينما تبقى الفكرة القديمة حاضرة: سلطة تقرر، ومجتمع مطلوب منه الامتثال.

إذا بقي هذا المنطق، فلن يكون تغيير الأسماء كافياً. فالمطلوب ليس فقط أن تتغير السلطة، بل أن تتغير علاقتها بالمجتمع؛ من سلطة تراقب وتفرض وتخيف، إلى دولة تحمي وتضمن وتترك للمواطنين مساحة واسعة ليختلفوا ويعيشوا ويبدعوا دون وصاية.

لا تبنوا سوريا الجديدة بعقل الماضي:

سوريا التي خرجت من عقود الاستبداد لا تحتمل أن تدخل في مرحلة جديدة من الوصاية.

ولا تحتمل أن تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات لتصفية الحسابات أو فرض القناعات أو اختبار قدرة تيار اجتماعي على إخضاع بقية المجتمع.

لقد آن الأوان لأن تدرك الحكومة السورية أن الاستقرار لا يصنعه إسكات الأصوات، بل بناء الثقة.

والثقة لا تُبنى بالخطابات المتشددة، ولا بالقرارات المرتجلة، ولا بتعيين أشخاص يثير خطابهم قلق قطاعات واسعة من المجتمع، ولا بإبقاء مسؤولين يتحولون، بسبب مواقفهم أو طريقة إدارتهم، إلى مصدر دائم للتشويش والاستقطاب.

لذلك، فإن المطلوب من الحكومة السورية ليس فقط مراجعة بعض القرارات، وإنما ضبط الخطاب العام للدولة بصورة واضحة، ومراجعة أداء المسؤولين الذين يتولون مواقع تمس المجال الثقافي والاجتماعي، وإعفاء أو عزل كل من يثبت أنه يستخدم موقعه لفرض وصاية دينية أو أيديولوجية على المجتمع، أو يثبت عدم قدرته على إدارة مؤسسة عامة بمهنية وحياد، وذلك عبر إجراءات قانونية ومؤسسية واضحة.

كما ينبغي فتح المجال أمام الكفاءات السورية، من كتاب وشعراء وفنانين ومثقفين، من مختلف الاتجاهات والخلفيات، بعيداً عن المحسوبيات والاستقطاب السياسي أو الديني.

فالثقافة السورية ليست ملكاً لوزارة، ولا لجماعة، ولا لشاعر، ولا لمسؤول.

إنها ملك السوريين جميعاً.

ومن يريد بناء دولة مختلفة عن دولة الأسد، عليه أن يثبت ذلك في التفاصيل قبل الشعارات: في حرية المواطن، وفي احترام اختلافه، وفي استقلال الثقافة عن الوصاية، وفي عدالة التعيينات، وفي وضوح القانون، وفي قدرة الدولة على محاسبة مسؤول فيها عندما يتجاوز حدود موقعه.

سوريا لا تحتاج إلى حراس جدد على حياة الناس:

وهذا هو الاختبار الحقيقي: هل نستطيع أن نبني دولة تخرج من الاستبداد، لا دولة تعيد إنتاجه بأسماء جديدة وخطابات مختلفة؟ فالخروج من الماضي لا يكون بتغيير الوجوه وحده، وإنما بتغيير العقلية التي تدير الدولة، وبإعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس القانون والمواطنة واحترام الاختلاف.

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب