4 أكتوبر, 2026

أمريكا تصدّر أزماتها: هل تدفع أوروبا نحو متاهة الحرب؟

ليست كل أزمة تبدأ بانفجار. بعضها يبدأ ببرميل نفط، أو بقرار تجاري، أو بضغط تمارسه قوة كبرى على حلفائها. والخطر لا يكون دائمًا في القرار نفسه، بل في اللحظة التي يُتخذ فيها، والجهة التي تتحمل كلفته، وما الذي قد يتركه وراءه عندما تنتهي الأزمة التي استدعت القرار.

في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، كشفت رويترز أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلبت من ألمانيا وفرنسا الإفراج عن جزء من مخزونات الديزل الطارئة للمساعدة في تهدئة الأسعار العالمية، مع التلويح بإمكانية فرض قيود أو حظر على صادرات الديزل الأميركية إذا لم تتحرك أوروبا. ووفق المصادر التي نقلتها الوكالة، تريد واشنطن أن يطرح الاتحاد الأوروبي نحو 120 مليون برميل من الديزل خلال ستة أشهر.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى خلافًا تجاريًا حول الطاقة. لكنه ليس كذلك تمامًا.

فنحن نتحدث عن احتياطيات طوارئ أنشأتها الدول الأوروبية تحديدًا لمواجهة اضطرابات خطيرة في الإمدادات. وتفرض القواعد الأوروبية الاحتفاظ بمخزونات تعادل 90 يومًا من صافي الواردات أو 61 يومًا من الاستهلاك، فيما تؤكد المفوضية الأوروبية أن المخزونات الطارئة لا تزال عند مستويات مرتفعة.

والأهم أن الـ120 مليون برميل المطلوبة تعادل أكثر من 40% من احتياطيات الديزل والغاز أويل الطارئة في الاتحاد الأوروبي، فيما تمتلك ألمانيا وفرنسا معًا نحو 35% من هذه الاحتياطيات.

هنا تحديدًا تبدأ القصة التي تتجاوز الديزل.

  • أزمة أميركية… وفاتورة أوروبية:

السؤال الذي ينبغي طرحه ليس لماذا تريد الولايات المتحدة خفض أسعار الوقود. من الطبيعي أن تسعى أي حكومة إلى حماية اقتصادها ومستهلكيها.

السؤال هو: لماذا ينبغي أن تدفع أوروبا جزءًا من ثمن معالجة هذه المشكلة؟

رويترز تقول إن إدارة ترامب تدرس تقييد صادرات الديزل الأميركية بهدف خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه الإدارة ضغوطًا سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وفي الوقت نفسه، تضغط واشنطن على أوروبا لكي تستخدم احتياطياتها.

أي أن المعادلة تصبح شديدة الوضوح:

إذا أبقت واشنطن صادراتها مفتوحة، يستمر تدفق الديزل إلى الأسواق.

وإذا قررت تقليص صادراتها لحماية السوق الأميركية، فإن أوروبا ستتضرر.

وحتى لا يحدث ذلك، يُطلب من أوروبا فتح مخازنها الاستراتيجية وضخ كميات ضخمة في السوق.

هذه ليست مجرد مساعدة متبادلة بين حلفاء؛ إنها علاقة قوة تختبر حدود التضامن.

فالحليف يمكن أن يساعد حليفه في أزمة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح أمن أحد الطرفين الاقتصادي مبررًا لاستخدام احتياطيات الطرف الآخر.

  • الوقود ليس سلعة عادية عندما تلوح الحرب:

هنا تصبح المسألة أكثر خطورة.

أوروبا لا تعيش في زمن طبيعي. الحرب الروسية ـ الأوكرانية ما زالت قائمة، والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط تضغط على أسواق الطاقة، وأوروبا نفسها تتحدث عن ضرورة تعزيز قدراتها الدفاعية والاستعداد لسيناريوهات أمنية أكثر صعوبة.

وفي مثل هذه البيئة، لا يمكن النظر إلى الديزل باعتباره مجرد وقود للشاحنات.

الديزل هو حركة الجيوش.

هو النقل البري.

هو الإمداد اللوجستي.

هو المولدات.

هو الزراعة.

هو جزء من قدرة الدولة على استمرار الحياة والإنتاج في ظروف الحرب والأزمات.

ولهذا فإن احتياطي الوقود ليس خزينة مالية يمكن فتحها كلما ارتفع السعر، بل شبكة أمان استراتيجية.

والمفارقة أن المفوضية الأوروبية أكدت في 29 سبتمبر أن إمدادات النفط في الاتحاد مستقرة في الوقت الراهن، وأن المخزونات الطارئة ما زالت مرتفعة ومتاحة عند حدوث اضطراب في السوق. لكنها حذرت في الوقت نفسه من إمكانية تشدد الأسواق مستقبلًا بسبب استمرار الاضطرابات الجيوسياسية.

فلماذا إذن الضغط الآن على أوروبا كي تسحب كميات ضخمة من احتياطياتها؟

  • هل المطلوب من أوروبا أن تستعد للحرب… أم أن تدفع ثمنها مقدمًا؟

هذه هي النقطة التي تجعل التوقيت الأميركي مثيرًا للقلق.

من جهة، تُطالب أوروبا بزيادة الإنفاق الدفاعي، ورفع جاهزيتها، وتقوية قدرتها على الردع، والاستعداد لاحتمالات أمنية مرتبطة بروسيا.

ومن جهة أخرى، تأتي واشنطن في لحظة اضطراب عالمي في الطاقة لتطلب من الأوروبيين استخدام جزء هائل من مخزونهم الاستراتيجي.

قد لا يكون هناك أي قرار أميركي متعمد لإضعاف أوروبا أمام روسيا، ولا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن هذا هو الهدف.

لكن غياب الدليل على النية لا يلغي ضرورة النظر إلى النتيجة المحتملة.

إذا أُفرج عن نحو 40% من احتياطيات الديزل الطارئة الأوروبية خلال ستة أشهر، فإن هامش الأمان الأوروبي سينخفض بالضرورة، حتى لو بقيت أوروبا ملتزمة بالحد الأدنى القانوني من الاحتياطي.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

هل تنظر واشنطن إلى أمن أوروبا باعتباره مصلحة مشتركة، أم باعتباره ملفًا يمكن استخدامه عندما تحتاج الولايات المتحدة إلى تخفيف أزمة داخلية؟

  • الغطرسة لا تبدأ دائمًا بالتهديد العسكري:

المشكلة الأوسع في السلوك الأميركي ليست أن واشنطن تدافع عن مصالحها. كل الدول تفعل ذلك.

المشكلة تبدأ عندما تتعامل قوة كبرى مع مصالح الآخرين وكأنها امتداد طبيعي لمصالحها هي.

هنا تتحول التحالفات تدريجيًا من شراكات إلى هرم: طرف يضع القواعد، وأطراف أخرى مطالبة بالتكيف معها.

وهذا ما يجعل الحديث عن “الشرطي الأميركي للعالم” أكثر من مجرد استعارة سياسية عندما تتحول القوة الاقتصادية والعسكرية إلى أدوات ضغط على الحلفاء والخصوم معًا.

فواشنطن لا تطلب من أوروبا ببساطة أن تساعد في أزمة طاقة.

إنها تضغط عليها، بحسب رويترز، باستخدام ورقة شديدة الحساسية: إذا لم تفتحوا احتياطياتكم، فقد نقيد صادراتنا.

هذه ليست لغة تعاون هادئ.

إنها لغة قوة.

  • أميركا تريد حماية سوقها… لكن من يحمي الآخرين من قراراتها؟

هنا تكمن المفارقة الأشد قسوة.

إذا ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة، تبحث واشنطن عن وسيلة لخفضها.

إذا أصبحت المخزونات الأميركية أقل راحة، تبحث عن زيادة المعروض العالمي.

إذا كانت الانتخابات تقترب ويصبح ارتفاع الأسعار مشكلة سياسية، تزداد الحاجة إلى حلول سريعة.

لكن الحل السريع لا يختفي عندما يعبر المحيط الأطلسي.

إنه ينتقل إلى مكان آخر.

إلى أوروبا.

وهكذا يمكن أن تصبح السياسة الأميركية نموذجًا لتصدير الكلفة: الأزمة أميركية، لكن جزءًا من علاجها مطلوب من الآخرين.

وهذا ليس اتهامًا بأن الولايات المتحدة صنعت كل أزمة طاقة في العالم؛ فالأسواق الحالية تتأثر أيضًا بالحرب في الشرق الأوسط، والقيود الروسية، وتوقف صادرات الوقود الصينية، واضطراب طرق الإمداد. رويترز تشير إلى أن هذه العوامل مجتمعة دفعت أسعار النفط والديزل إلى مستويات مرتفعة.

لكن السؤال السياسي يبقى قائمًا:

عندما تتخذ واشنطن قرارًا لحماية مصالحها، هل عليها أن تتعامل مع كلفته باعتبارها مسؤوليتها أيضًا، أم أن على الحلفاء دفع جزء منها تلقائيًا؟

  • أوروبا ليست خزان وقود أميركيًا:

الاحتياطي الاستراتيجي الأوروبي موجود لسبب.

ليس كي تستخدمه واشنطن عندما تحتاج إلى تهدئة أسعارها.

وليس كي يصبح أداة لمعالجة مشكلة انتخابية في دولة أخرى.

وليس كي تدفع أوروبا ثمن اعتمادها على حليف أقوى منها.

إذا أرادت الولايات المتحدة تعاونًا أوروبيًا في مواجهة أزمة عالمية، فهذا أمر يمكن التفاوض عليه.

أما تحويل التعاون إلى ضغط، ثم تحويل الضغط إلى تهديد بتقييد الصادرات، فهذه قصة مختلفة.

والأخطر أن أوروبا نفسها تتحمل مسؤولية هذه الهشاشة.

فالاتحاد الأوروبي شديد الاعتماد على الأسواق الخارجية في الطاقة، بينما تراجعت قدراته في مجال التكرير خلال السنوات الماضية. وتوضح المفوضية أن نحو 95% من النفط الخام المستهلك أوروبيًا مستورد، فيما يُكرر نحو 80% من استهلاك المنتجات النفطية داخل أوروبا.

وهكذا وجدت أوروبا نفسها في موقف بالغ التناقض:

تريد استقلالًا استراتيجيًا، لكنها لا تزال بحاجة إلى الخارج في جزء أساسي من أمنها الطاقي.

  • هل تدفع أوروبا ثمن حرب لم تخترها؟

المسألة لا تتعلق فقط بروسيا.

ولا ينبغي اختزال كل سياسة أميركية في مؤامرة ضد أوروبا.

لكن أوروبا مطالبة بأن تسأل سؤالًا أكثر صعوبة:

إذا كانت الحرب الروسية ـ الأوكرانية قد علمتها أن الطاقة جزء من الأمن القومي، وإذا كانت أزمة الشرق الأوسط قد أثبتت أن طرق الإمداد يمكن أن تصبح سلاحًا، فلماذا تقبل الآن باستنزاف جزء كبير من احتياطياتها الاستراتيجية تحت ضغط خارجي؟

فالدولة التي تستنزف مخزونها في لحظة اضطراب لا تشتري الاستقرار؛ إنها تستهلك جزءًا من قدرتها على مواجهة المفاجأة المقبلة.

وقد تكون المفاجأة المقبلة اقتصادية.

وقد تكون جيوسياسية.

وقد تكون عسكرية.

  • المشكلة ليست في أميركا وحدها… بل في أوروبا التي سمحت بهذا الاعتماد:

لن يكون من العدل اختزال القصة في واشنطن.

فالولايات المتحدة تمارس السياسة وفق مصالحها، وهذا متوقع من قوة كبرى.

المشكلة الحقيقية أن أوروبا سمحت خلال عقود بأن تصبح مصالحها الاستراتيجية مرتبطة بدرجة أكبر مما ينبغي بقرارات قوة خارجية.

وهذا هو الدرس الذي يجب أن تتعلمه الآن.

لا يمكن الحديث عن جيش أوروبي أقوى، وردع أوروبي مستقل، وأمن أوروبي قادر على مواجهة التهديدات، بينما يبقى الوقود والطاقة وسلاسل الإمداد عرضة لضغوط الآخرين.

الاستقلال السياسي يبدأ من القدرة على قول “لا” عندما تصبح مصلحة الحليف متعارضة مع أمنك.

والتحالف الحقيقي لا يعني أن يكون طرف قادرًا على إصدار الأوامر والطرف الآخر مضطرًا إلى الحساب.

  • حين يصبح الحليف أول من يدفع الفاتورة:

القصة إذن ليست قصة 120 مليون برميل.

إنها قصة أكبر بكثير.

قصة قوة كبرى تواجه أزمة داخلية، فتبحث عن حل في مخازن حلفائها.

وقصة أوروبا التي تستعد لاحتمالات الحرب، بينما يُطلب منها في الوقت ذاته استهلاك جزء كبير من مخزونها الذي يفترض أن يحميها في أسوأ الظروف.

وقصة عالم أصبح فيه ثمن القرارات الكبرى موزعًا على الجميع، بينما تبقى القدرة على اتخاذ القرار مركزة لدى عدد قليل من القوى.

لا نستطيع أن نقول إن واشنطن تريد عمدًا إضعاف أوروبا أمام روسيا. لا يوجد ما يكفي من الأدلة لإثبات هذه النية.

لكن يمكننا أن نقول شيئًا أكثر صلابة:

إذا دفعت الولايات المتحدة أوروبا إلى استنزاف جزء كبير من احتياطياتها الاستراتيجية في لحظة جيوسياسية شديدة الخطورة، فإنها تطلب من حليفها أن يتحمل جزءًا من كلفة أزمة لا يستطيع التحكم بمسارها.

وهنا يجب أن يكون السؤال الأوروبي واضحًا:

هل التحالف مع أميركا يعني حماية مشتركة، أم يعني أن أوروبا ستبقى دائمًا المكان الذي تصل إليه فاتورة الأزمات الأميركية؟

لأن أوروبا التي لا تستطيع حماية احتياطياتها، وطاقة اقتصادها، واستقلال قرارها، لن تكون قادرة على اختيار موقعها في أي حرب مقبلة.

وقد يكون أخطر ما في متاهة الحرب ليس أن تدخلها أوروبا مرغمة، بل أن تجد نفسها تدفع ثمنها قبل أن تبدأ.

أحمد سليمان 

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب